حوائط عصر رقمي

14-08-2018 مازن ح. عبّود



في 13 آب/أغسطس 1961 بدأت وحدات من جيش ألمانيا الشرقيّة ببناء حائط برلين. والهدف منه كان منع الألمان الشرقيّين من الهرب إلى الغرب. حائط برلين الذي شكّل رمز الحرب الباردة سقط في التاسع من تشرين الأوّل/أوكتوبر من العام 1989. سقوطه شكّل نهاية حقبة من تاريخ البشرية وبداية أخرى.
اليوم نتذكّر "قيام" الحائط لأنّ لعنته لا تنفك تلاحقنا. وها أنّ حوائط جديدة بدأت تظهر كي تفصل بين المقصيّين والمهمّشين والمعدمين من غالبيّة سكان العالم الذين ستتزايد أعدادهم من جهة، وأقلّية الأذكياء والعلماء والمقتدرين القابعين في جنّة الحكم والتحكم بالاقتصاد الرقمي والرجل الآلي من جهة مقابلة. وقد بدأ الخوف والارتباك يبنيان حوائط تعيق حركة التبادل. وتؤشر لبداية ظهور حقبة عالم الثورة الرقمية وتداعياتها. خوف من انتقال القوة الاقتصادية وهي لا تنتقل إلا على أنهار الدماء وجثث البشر.
قرأت في الآونة الأخيرة مقالاً في مجلّة السياسة الخارجيّة لكافين درام بعنوان "عالم التكنولوجيا، أهلاً بكم إلى الثورة الرقميّة". فكان أنْ انتابني أرق شديد إثر استكمالي قراءة المادة. والأرق نتج من الرماديّة واللامساواة والحوائط التي ستحيط بمستقبلنا على الكوكب.
فصرت أسأل: "هل سيتمكّن أبناؤنا من التسابق مع الرجل الآلي على فرص عمل؟ ما أدوار الدول في عصر المعلومات؟ وهل ستُحصّل ضرائب الدخل من الرجل الآلي أم من جيوش العاطلين عن العمل".
الثورة الصناعية أدّت إلى استبدال عضلات العمّال بالآلات. أما الثورة الرقميّة فستستبدل عقول البشر بعقول اصطناعيّة. وعندها يصير غالبيّة البشر لزوم ما لا يلزم في العصر الذي صار على الأبواب.
لكن كيف ستتمكن الدول عندئذ من إدارة جيوش البشر من المهمشين والعاطلين عن العمل؟ كيف سيتمكن قادة العالم من تحقيق السلم والسلام العالميّين في ظل تزايد معدلات البطالة والتهميش؟
أخشى أنْ يزيل الذكاء الاصطناعي أدوار زعماء غالبية الدول وحكوماته وقبائله ويسخفهم. أخشى أن يزيل العائلات ويتولى أمرنا مأمورون آليّون يضبطون كل تحرّكاتنا.
إذا كان عصر الله قد بدأ مع استقرار البشر في مكان محدّد كنتيجة لاكتشاف طرائق الزراعة التي أدّت إلى تكوّن المدائن، وإلى إرساء اسس الحضارة البشرية في صيغتها الحالية.
وإذا كانت الأنسنة قد ازدهرت بعيد الثورة الصناعية. وقد أدّت إلى استبدال القوّة الجسدية بالماكينات. وتميّزت بطغيان العقل واستبداد العنصر البشري وانتهاكه لكل عناصر الكون.
فانّ العصر المقبل سيكون حتماً عصر الذكاء الاصطناعي الذي سيمحو الإنسانيّة ويستعبد غالبيّة البشر. وستُنتَهَك البشريّة، تماماً كما انتهكت الثورة الصناعية جودة الحياة على هذا الكوكب يوماً.
قد تحلّ مسألة الاحتباس الحراري حينئذ عبر اكتشاف وسائل تكنولوجية جديدة. لكن لن تحل مسألة وجودية أبلغ. ألا وهي اغتيال إنسانيّة العنصر البشري وتحويله إلى لزوم ما لا يلزم، على أبعد تقدير.
سيعبد غالبية البشر وقتئذ التكنولوجيا والعلماء والمقتدرين. وسيُسفّه الدين ويُعتبر كل متديّن خارجاً عن العصر. عصر لن يتجانس مع مبادئنا الأخلاقيّة الحاليّة بتاتاً ولن يعترف بربّنا.
إني لا أعلم أي عصر ينتظرنا. وقد بدأت بشائره وحوائطه تلوح في الأفق. العصر الجديد سيكون حتماً عصر "اللامساواة" النافرة وحروب التكنولوجيا والحروب الاقتصادية والعقوبات والحواجز. سيكون عصر سجون البشر واستعبادهم وتهميشهم وإقصاءهم.
وبالمناسبة يطيب لي أنْ أسأل: "ماذا سنفعل، ماذا سيفعل سياسيو بلدي وكيف ستكون الرعيّة؟ ما مصير أولادنا؟ كيف سنتمكن من مواكبة التغيير بالحد الأدنى؟". اسئلة لن تجد لها أجوبة.
لقد بدأنا ندخل في عصر التبدلات. ثورة جديدة بدأت تطل. ثورة سرعان ما ستغير العالم والوظائف والأدوار...!
وإننا سندخل العصر الجديد بعقلية ومشاكل قديمة. لكن حتى مشاكلنا وأزماتنا وقوميّاتنا ستفقد مبرّرها. وقتها سيموت معظم الناس ضجراً وانتحاراً وليس مرضاً. والكثير ممّن لا ينتحرون سيعيشون بانتظار الموت. فيكون انتظار الموت أكثر فتكاً من الموت.
لكن قلّة ستثبت. ستعود إلى الأرض. سترفض الدخول في العصر الاصطناعي والذكاء، كي تبقى على قيد الحياة. وأنا واحد ممّن يرفضون الاستسلام لطغيان الذكاء الاصطناعي وغير الاصطناعي. ما ينتظرنا كبير لكنّنا لن نستسلم للخوف، بل سنُمسك اللحظة ونعمل دوماً للدفاع عن قِيَمنا وعالمنا وحضارتنا. ومع الثورة الجديدة ستنشأ ثورة من نوع آخر، وتيّار من نوع آخر. تيّار سيكون الحضارة والملح والرجاء.