شعب يعشق جلد الذات... ولا يستخلص العبر

13-08-2018 دافيد عيسى - سياسي لبناني

من ليس له ماضٍ ليس له مستقبل، من لا ينتمي إلى تاريخ يصبح خارج الجغرافيا، من ليس له جذور ضاربة في الأرض لا يمكنه أن يتطلع إلى السماء ويطمح ويحلم، التاريخ بكل ما يحفل به من تجارب ومحن وتضحيات هو المكوّن الأساس لشخصية الجماعة، يصنعها، يصقلها ويعطيها الميزة والخصوصيّة...

من الطبيعي والواجب أنْ يكون الشعب أي شعب، مشدوداً إلى تاريخه وماضيه، أميناً لرسالته، وفياً لقضيته والشهداء الذين سقطوا من أجلها وليس بمقدور أيّ شعب إذا أراد الحياة والحريّة والتطوّر أنْ ينفصل عن تاريخه ويتنكّر له لأنّه إذا فعل يصبح بلا انتماء ولا هويّة ومن دون قضيّة ويفقد مبرّر وجوده.
ولكن ما ليس طبيعياً أنْ يغرق الشعب في ماضيه ويستغرق فيه ويعيش على الذكريات ويصبح أسيرها وكأنّ الزمن توقف عند محطات معيّنة، وما هو غير طبيعي أنْ نشهد في لبنان كمّية من الاحتفالات المنتمية إلى الماضي، لإحياء ذكرى معركة أو مجزرة أو شهادة أو مصالحة على مدار العام وكل شهر وحتى كل أسبوع.
كثيراً ما نسترسل في نبش ذكريات الماضي وإقامة احتفالات تذكارية مطلقين العنان لمشاعرنا وانفعالاتنا... ونادراً ما نقيم احتفالاً للمستقبل ونخطط للآتي من الأيام ونطلق العنان لعقولنا وقناعاتنا، والأدهى أنّ الميول إلى الماضي وإدارة الرأس إلى الوراء لا تصاحبها أي نزعة وإرادة إلى الاستفادة من التجارب والأخطاء واستخلاص العبر والدروس.
فإذا كانت العودة إلى الماضي مطلوبة وضرورية، ليس لكي نمكث فيه ونعيش على ذكرياته حتى لو كانت أمجاداً، وإنما لكي ننهل منه ونتعلّم ونتّعظ للتقدّم إلى الأمام ونحو الأفضل، ولكن ما يحصل عندنا أنّ الذكريات والأحداث الماضية تعاش وتعاد كل سنة فارغة من المضمون والهدف، وأنّ من يتقنون فن إحياء الذكريات والمناسبات على طريقة الفن للفن، لا يمتلكون إرادة استخلاص العبر والمقاربة الواقعية للأمور، وأنّ الشعب الذي يعيش على الذكريات يفتقد إلى الذاكرة الجماعية التي تخزّن التجارب والخلاصات وتضيء الطريق نحو المستقبل...
وثمة أمثلة كثيرة ومشاهد متكررة في هذا المجال أكتفي منها بما جرى هذا الشهر إحياءً لمناسبتين جرى إفراغهما من المضمون والبعد الفعلي:
1- إحياء ذكرى 7 آب عندما تعرّض شبان في "التيّار الوطني الحر" و"القوّات اللبنانية" لممارسات وتعدّيات من أجهزة أمنيّة رسميّة لقمع تحرّكهم وتطلّعهم إلى السيادة والحرية والاستقلال، ومما لا شك فيه أنّ شبان تلك المرحلة كانوا في موقع النضال السياسي وبذلوا جهوداً وتضحيات مشتركة وكان هناك قضيّة تجمع هؤلاء الشباب بعيداً من لعبة المصالح والمال والسلطة.
ولكن أنْ يحصل إحياء هذه المناسبة في ظل واقع غير سليم وبالقفز فوقه واقتطاع مشهد من الماضي لا يشبه الحاضر نصاً وروحاً حتى بدا وكأن ذكرى 7 آب في وادٍ والواقع الراهن في وادٍ آخر، فإذا كانت هذه الذكرى تمثّل ذروة النضال السياسي النظيف والمُبرّر والمستند إلى وحدة الصف والموقف والقضيّة، فإنّها تحل وسط وضع غير مشجّع يُمثّل عودة إلى حقبة الانقسام والخلاف والتبعثر لدى المسيحيّين الذين لم يعد يهمّهم إحياء ذكريات ماضية بقدر ما صار يهمّهم الاستفادة والاتّعاظ من الماضي لتحسين واقعهم وتقوية قدراتهم وإمكاناتهم وتحقيق إنجازات ومكاسب.
ولكن يبدو أنّ المسيحيّين "الشاطرين" بالعيش على الذكريات ليسوا شاطرين في مغادرة الماضي بصفحاته السود وفي فتح حاضرهم على آفاق مستقبليّة مشرقة وواعدة، فتراهم يقعون مجدداً في الأخطاء والتجارب نفسها ويعودون مجدداً إلى أجواء الخيبة والإحباط إزاء سياسيين وزعماء يشدون بهم إلى الوراء ولا يقدمون شيئاً للمستقبل، وإزاء جمهور من المناصرين والمحازبين لا يتقنون إلا فنّ السجال ولغة الشتائم والاهانات على مواقع التواصل الاجتماعي.
فكيف لشعب أنْ يحتفل بذكرى أليمة وعلى مرّ سنوات مثل ذكرى 7 آب وهو ليس قادراً على الاحتفال بذكرى "اتفاق معراب" الذي وُقّع بين "القوات اللبنانيّة" و"التيّار الوطني الحر" وطوى صفحة أليمة وسوداء بين هذين الحزبين أو هكذا يُفتَرَض أنْ يكون، وكيف له أنْ يتغنّى بوحدة النضال والقضيّة في أحلك الظروف وفي زمن الوصاية، وهذه الوحدة في زمن وجود رئيس الجمهوريّة ميشال عون على رأس الدولة ووجود "القوات" و"التيار" في الحكومة ذاتها ليست بأفضل الظروف؟ إنّه سؤال يجب أنْ يطرحه كل مسيحي على نفسه.
2- إحياء ذكرى 2 آب عندما جرت المصالحة التاريخية في الجبل برعاية وحضور البطريرك الكبير مار نصرالله بطرس صفير ووجهاء الدروز يتقدّمهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وممّا لا شك فيه أنّ هذه المصالحة هي حدث تاريخي أعاد المسيحيّين إلى الجبل وأعاد الجبل إلى لبنان ويجب الاستلهام منه والتمسّك دائماً بروح المصالحة والعمل بها وتعزيزها في النفوس والعقول.
ولكن ما ليس مفهوماً أنْ يتوقف التاريخ عند محطة المصالحة فنظل نتغنى بها ونعيش على ذكراها من دون أنْ نعمل على ترسيخها بالفعل والممارسة وعلى تطويرها على الأرض وتحويلها إلى واقع حافل بالإنماء والإنتاج وفرص العمل ومشجّع على البقاء والتشبّث بالأرض...
لم يعد كافياً التغنّي والتذكير بالمصالحة ولم يعد مقبولاً العيش في الماضي وإنّما يجب التطلّع إلى المستقبل وإعادة بناء الثقة والحجر والبشر، فقد آن أوان الخروج من لغة العاطفة والحنين إلى محطات مؤثّرة وآن أوان العمل والتفرّغ لمعالجة مشكلة الفراغ الذي يسكن الجبل ويضرب عافيته وحيويته، كما لم يعد مقبولاً ولا مفهوماً أن يُرفع لواء الخوف على المصالحة والتهديد بمصيرها في كلّ مرة ينشب خلاف سياسي أو تصدر تغريدات "توتيرية" ومتوتّرة.
دعوا المصالحة جانباً... أقفلوا هذه الصفحة المجيدة في كتاب الجبل وتاريخه، إتّعظوا من التجارب والمحن التي سبقتها واعملوا للمستقبل الذي يليها، ومن المؤسف أننا شعب قاسى كثيراً وينسى كثيراً، شعب يعيش على الذكريات، ومن دون ذاكرة، شعب يحبّ جلد الذات، ولا يستخلص العبر.