الديمقراطيّة التوافقيّة "أفعى"... فهل يقطع "الرئيس القوي" رأسها وذيلها؟

07-08-2018 حسن سعد

حقيقة أنّ "قلّة العادة" في ممارسة الحكم وفق الأحكام الدستوريّة وما فرضته من آليات ديمقراطيّة، و"كثرة الإعتياد" على سلطة الأوصياء، وغَرَق القوى السياسية الحاكمة والمُتحكّمة في "بِرْكَة لا ماء فيها" عند كل استحقاق، جعلت من لبنان الرسمي يبدو "كَمَن أُهدِيَ طائرة حديثة وهو بالكاد يعرف كيف يقود درّاجة هوائيّة"، إنما هي حقيقة "مُؤلِمة ومُؤسِفة" وكل ذلك تحت مُسَمّى "الديمقراطيّة التوافقيّة".

ففي مرحلة ما بعد سرَيَان "إتفاق الطائف" لم يَعتَد السَاسَة اللبنانيون الإلتزام بتطبيق "النظام الديمقراطي البرلماني" كما رسَمَ الدستور، ولم يُمانع الكثيرون منهم وجود "العصمة المُطلقة" بيد الأوصياء على إدارة البلد، وأيضاُ لم يعتادوا أن يتبوأ سُدّة الرئاسة الأولى "رئيس قوي" شعبيّاً ونيابيّاً والأهم "من دون أن يُخالف الدستور".
الجديد، الذي لا يجب أن يكون مُفاجئاً، أن تشكيل الحكومة بات محكوماً بمعطيات ومعايير تختلف عمّا سبق أن اختبره المُعتادون على جنّة الحكم والطامحون إلى دخولها، خصوصاً أن رئيس الجمهوريّة "القوي" العماد ميشال عون، الذي وإن سمح بتمرير تشكيلة الحكومة الأولى في عهده وفق المُتبَع سابقاً، لا يتهاون في صناعة حكومة العهد الأولى بالإستناد إلى ما أنتجته الانتخابات النيابيّة من أحجام تمثيليّة ومن دون المَسّ بحصّة الرئيس الوزاريّة، ولا يتوقف عند أيّ عُقَد داخليّة أو عراقيل خارجيّة وُضِعت أو قد تُوضَع في طريقه.
لمواجهة جديد المعطيات والمعايير، هناك فريق يمارس أسلوب النكايات حيث هو قادر، وفريق آخر سقط في يده فَلجَأ إلى أسلوب المُكابرة، والفريقان يرتكزان إلى أنه لا مَفرّ من العودة إلى بدعة "الديمقراطيّة التوافقيّة" التي تكفل، كما العادة، إنصياع الجميع، ولو بعد حين، لمبدأ "المحاصصة" في عظيم الأمور وأحقرها، أما الفريق الثالث فلا يَمَلُ من ممارسة المُوَالاة بصَخَب حيناً وبصَمت أحياناً بإنتظار موعد القطاف.
إنّ إصرار رئيس الجمهوريّة على المسَار الذي يتبعه والمعايير التي ينطلق منها لتشكيل الحكومة والأثر المُنتظر من ذلك على إدارة العمل الحكومي وأداء الوزراء بعد نيل ثقة البرلمان، يوحي بأنّ الرئيس عون لا ولن يُمانع توّليه مهمّة تحقيق رغبة اللبنانيّين في القضاء على أفعى "الديمقراطيّة التوافقيّة" التي كانت وما تزال تُشوّه الحياة السياسيّة الديمقراطيّة الطبيعيّة وتعرقل تشكيل الحكومة وتحرُم البرلمان من القيام بدوره وتُبيح الإستعانة بالحماية الطائفيّة وتحول دون إستعادة الثقة وتُغطي الفساد والمُفسدين وتُعطّل مصالح الشعب وتُجمّد مستقبل أبنائه وتُكرّس التخلّف.
أما الأخطر والأشنع، فهو أنّ "الديمقراطيّة التوافقيّة" تفتح الباب واسعاً أمام أيّ جهة خارجيّة للتدخّل ساعة تشاء والتحكّم بكل الفرقاء "مجتمعين" في أي مسألة أو استحقاق بمجرّد أن يخضع للخارج فريق واحد من الفرقاء، فكيف إذا تعدّد الخارج وكَثُر الخاضعون؟
كيف للبنان أن ينهض ويتقدّم، إذا كانت مراجعة نتائج اعتماد "الديمقراطيّة التوافقيّة" تُؤكّد أنّ الشعب لم يستفِد منها يوماً وأنّ الطبقة السياسيّة أحسنت استثمارها دوماً وأنّ مصالح الخارج لم تفقد كفالتها؟
بمساندة ما تَيَسّرَ من الشعب والحلفاء، "الرئيس القوي" مُطالب بأنْ يُقْدِم على قطع رأس "الديمقراطيّة التوافقيّة" الداخلي وذيلها الخارجي بسيف الدستور، عسى أنْ يكون في القضاء عليها خلاص "الأمّة اللبنانيّة" من هذه العلّة المُهينة.