رياض سلامة بين سندان التشويش ومطرقة الاستقرار النقدي

30-07-2018 دافيد عيسى - سياسي لبناني

الوضع في لبنان صعب ومثقل بالمشاكل، هذا واقع لا يخفى على أحد، ولكنه ليس سيئاً إلى حد أنه مقبل على انهيار وتدهور دراماتيكي، فهو في مرحلة حساسة ودقيقة ولكن الوضع ما زال تحت السيطرة وقابلاً للمعالجة اذا تضافرت الجهود وحسنت النيات وفضل السياسيون مصلحة الوطن والمواطن على مصالحهم الخاصة والشخصية.

ما يجري أن هناك مبالغة لدى البعض في إظهار المخاوف والهواجس وفي تضخيم الخطر المحدق بالوضع المالي والنقدي، وان هناك من يتعمد الإساءة وإلحاق الأذى في هذين القطاعين الهامين عن سابق تصوّر وتصميم، وأن هناك ما يشبه الحملة المنظمة والمبرمجة لتدمير ما تبقى من مقومات وصمود واستقرار لبنان.
والأمر لا يتعلق هنا بالتجاذبات والمماحكات السياسية حول حصص وحقائب وأحجام في الحكومة العتيدة وحسب وإنما هو أبعد وأخطر من هذا "التناتش" السياسي، واقولها بكل صدق انها مسألة بلد يواجه حملة تشهير وتهشيم ومسألة شعب يواجه إضعافاً وتدميراً لمعنوياته ويجري دفعه إلى الاستسلام للأمر الواقع اوالهجرة.
ومع الاسف تشارك بعض القوى السياسية عن قصد او عن غير قصد في تحمل مسؤولية هذا الوضع وهذه الحملات، وما يلفت في تعاطي بعض الإعلام ومقاربته للأوضاع أنه يتعمد إبراز السلبيات والإضاءة عليها وحتى التنقيب عنها مقابل طمس بعض الإيجابيات وإهمالها او حتى تحويل الايجابيات الى سلبيات ما يؤدي إلى طغيان اظهار الوجه البشع للبلد، مع العلم ان له ايضآ وجه مقبول وحتى جيد مقارنة بمحيطنا لا أحد يريد ان يراه لأن هناك من يتعمد التشويش على الرؤية والأذهان... وبالامس كتبت صحف عالمية عن مهرجان الفنانة جوليا بطرس في صور وتحدثت وسائل اعلامية مرئية ومسموعة في فرنسا وايطاليا وامريكا والدول العربية عن صوت هذه الفنانة الكبيرة والرصينة والمبدعة وعن عظمة الانتاج وعن الحشد الغير مسبوق الذي حضر الحفل والذي لم يشهده لبنان من قبل، اليس هذا وجه من وجوه لبنان الجميل؟ وكذلك غيره من المهرجانات (الارز وبيت الدين وبعلبك وصور وغيرهم).
لكن اللافت أكثر وهنا مكمن الخطورة أن هناك جهات تعمل على استهداف القطاع المصرفي بشكل عام وهو العمود الفقري للاقتصاد اللبناني وسر صموده، وكذلك مصرف لبنان وحاكمه الدكتور رياض سلامة بشكل خاص والذي لولاه لما بقيت الليرة صامدة ومستقرة بالرغم كل ما مر على لبنان من ويلات وزلازل واغتيالات وحروب طيلة السنوات الاخيرة التي مرت على لبنان منذ العام 2005 وحتى اليوم، ولا ظل اللبناني قادرآ على شراء رغيف خبز، وذلك عبر ضخ أخبار مضللة بوتيرة منتظمة وبث إشاعات لا تمت إلى الواقع بصلة.
فيجري تصوير الوضع النقدي والمالي على أنه يقف على شفير الانهيار وتواجه الليرة فيه ضغوطاً واحتمالات تراجع قيمتها وسعرها، ويجري تصوير القطاع المصرفي وكأنه فقد ميزانيته وقدرته على البقاء مستقراً، كما أن الحملات تطال الهندسات المالية التي اجراها مصرف لبنان تارة، وسياسته دعم القروض السكنية تارة أخرى، وكان رياض سلامة ومصرف لبنان هما المسؤولان عن سياسة الاسكان في لبنان، وتشن عليهم حملات مبنية على معطيات خاطئة ولا أساس لها من الصحة.
هذا مع العلم ان مصرف لبنان لا يتعامل مع القطاع الخاص عدا المصارف التجارية، وهو لا يقدم قروضاً مباشرة للافراد، وإنما يدعم قروضاً سواء كانت إسكانية أو لمشاريع إنتاجية.
وإن القروض الإسكانية المدعومة تكون من خلال المصارف ضمن شروط محددة مرتبطة بحجم الدخل ومساحة المسكن.
كما ان مصرف لبنان يقوم بتحفيز المصارف على منح قروض بفوائد مخفّضة مما يخفف العبء على عملاء المصارف وينشط الدورة الاقتصادية وذلك بهدف توسيع وتطوير المشاريع ذات الطابع الإنتاجي (زراعي، صناعي، سياحي...)
كما ان مصرف لبنان لا يتدخل لا من قريب ولا من بعيد مع المصارف في القروض الممنوحة لاي عميل مهما كان اسمه اكانت اسكانية او تجارية وهذه عملية تجارية بين المصرف والعميل تتم مباشرة.
من هنا نقول وليس من باب الدفاع عن رياض سلامة وهو ليس بحاجة لمن يدافع عنه، ان الاستقرار المالي والنقدي والاقتصادي والاجتماعي هو المستهدف مع ما يشكله ذلك من جريمة موصوفة، وإذا كان لا يمكن الاستمرار في إدارة الدولة والمؤسسات من دون إصلاحات هيكلية وبنيوية جذرية وقد حان أوان اتخاذ القرارات الصعبة... فإنه ايضآ لا يمكن السكوت عما يجري من تهجم وتعدّ على المؤسسات الناجحة في لبنان لأن السكوت يشجع على التمادي، ومن هذه الشركات وعلى سبيل المثال لا الحصر مصرف لبنان والشركات التابعة لهذا المصرف كشركة طيران الشرق الاوسط والتي احتلت بالامس المرتبة الثانية بين افضل شركات طيران الشرق الاوسط والخليج العربي لعام 2018 ولم نسمع كلمة اشادة واحدة من مسؤول لبناني واحد بحق هذه الشركة الوطنية، وفي هذه المناسبة نوجه تحية الى رئيس مجلس ادارة الشركة محمد الحوت الرجل الناجح والمقدام والذي نطالب بالتجديد له فور تشكيل الحكومة الجديدة بسبب نجاحه الكبير خلال سنوات رئاسته للشركة وتحويله لهذه المؤسسة الى شركة عالمية بدعم من رياض سلامة...
والى الذين يحاولون التشويش اقول إذا كان المطلوب إحراج سلامة لإخراجه من المعادلة فإنه لن يحرج وليس من النوع الذي يخرج بعدما أثبتت التجارب والأزمات أنه يواجه ويصمد وينتصر، أن اللبنانيين قالوا كلمتهم "نعم كبيرة" لهذا الرجل وأنهم يصدقون كل كلمة يقولها ويعرفون تماماً ان الحملات التي تشن عليه هي حملات غوغائية ورسائل لا تعنيه لا من قريب ولا من بعيد، ويعرفون أن خبرات وجهود وسياسات رياض سلامة هي التي مكّنت لبنان من تجاوز مطبات وأزمات وعواصف كثيرة وحافظت حتى اليوم على استقرار الليرة اللبنانية وعلى مدخرات اللبنانيين وذلك بشهادة اكبر المؤسسات المالية في العالم...