عصر البيانات

24-07-2018 مازن ح. عبّود

يتوقع الفيلسوف العالمي "يوفال نوح هراري" في كتابه "الانسان الاله" ظهور عصر جديد أطلق عليه تسمية "عصر البيانات". ويعتبر أنّ من يمتلك البيانات يمتلك كل شيء، ويتحكّم بالبشرية. ويقول إنّ الحرية الشخصيّة ستفقد معناها لحساب الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينيّة. وسيُهمّش "غوغل" و"فايسبوك" وسائر المحرّكات الرقميّة، الديمقراطيّة. فمن يستطيع الوصول إلى البيانات يستطيع تحديد اتجاهاتنا أكثر من أنفسنا. وبالتالي يستطيع أن يتحكّم باللعبة.

ويتوقّع أنْ تتحوّل الشريحة الأكبر من الناس إلى عاطلين عن العمل بفعل الحواسيب والذكاء الاصطناعي الذي سيحلّ مكانهم. مخيف ومقلق ما قاله يوفال.
ففي ذلك العصر، ستتحوّل الدول إلى مستوطنات، والشوارع إلى معتقلات، والمنازل إلى سجون. وستفتقر الأوطان وتتحوّل إلى منتديات. وتزداد ثروات الشركات العابرة للحدود. ستتهمش الدول لحساب الشبكات الرقميّة والمصالح الكبرى حتماً. فهل من الممكن أنْ يسدّد الرجل الآلي ضريبة الدخل مثلاً؟
لا أعلم ما الذي سيحصل لشريحة الناس الكبيرة الذين سيكونون غير منتجين، لا بل أحمالاً على حكوماتهم. لا أعلم ما الذي سيحصل للأطباء والمحامين وغالبيّة المهندسين الذين كانوا يشكّلون الطبقة الوسطى في الأزمنة الغابرة.
نعم، ماذا سيحصل بنا عندما تتحكّم مراكز الأبحاث والمختبرات بكل شيء، وتنتقل الـ"سيليكون فالي" من صناعة الألعاب والمبتكرات، إلى صناعة ديانات جديدة للبشر مثلاً؟
ماذا سيحل بنا، وما هو مصيرنا عندما ندخل جميعاً في عصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينيّة؟ وكيف ستتعاطى معنا النخب التي ستتسلّط على الأرض؟ كيف سنحمي الأرض من الغيّ والدمار والطمع والابتكارات التي قد تتحوّل مدمّرة وشيطانيّة؟
أترى من سينقذنا من براثن القرن الواحد والعشرين، من سيُنقذنا من سطوة العصر غير العضوي في طبيعته؟
إنّنا قادمون على عصر تصنيع الأعضاء والأدمغة والعقول، الذي حلّ محل عصر تصنيع السيّارات والنسيج والأسلحة. وشتّان ما بين العصرين. الأوّل جعل الأرض مكباً والبشر مستهلكين. والثاني سيجعل البشر عديمي الفائدة ومستعبدين.
لقد أنتجت الثورة الزراعية الطبقة الزراعية. وأنتجت الثورة الصناعية الطبقة العاملة. أما عصر البيانات فسيؤدي إلى ظهور طبقة بشر على هامش الاقتصاد، ممّن "لا قيمة سوقيّة لإسهاماتهم الاقتصاديّة". لن يكونوا منتجين في العصر المقبل.
إني أخشى العصر الآتي الذي سيُفقد البشريّة معنى وجودها. إنّه المستقبل المرعب. ربما سنتمكّن يوماً من التحكّم بالجوع لكنّنا سنموت حتماً بالتخمة. ربما لن تفتك بنا الأمراض في المستقبل لكنّنا سنموت انتحاراً. سنفقد المبادئ ونمضي نبحث عن السعادة والأبديّة. ولن نجدهما. لا أعلم كيف سيتعاطى الأذكياء ممّن أقاموا أنفسهم آلهة علينا معنا.
ستتملّك الـ"سيليكون فالي" علينا. وستُعلن مدينة العصر المقدّسة. وتصير مهبط إلهام. فيتحوّل علماؤها إلى أنبياء من نوع آخر. أنبياء علوم الدنيا ممّن يفبركون لنا في مختبراتهم ديانات جديدة.
وسندوس على الخصوصيّة في سبيل صحة أفضل. وسينتقل الحكم من الرؤساء الذين نعرف أمكنة إقاماتهم وعناوينهم، إلى شخصيّات رقمية مجهولة يتحكّم بها من يُمسِك بالشبكات العنكبوتيّة. وسيتمنى الكثيرون ممن يعيشون على الهوامش، أنْ يُعاملوا كحيوانات أليفة. ستكون الهوّة شاسعة بين من هم على متن قارب التحكّم بالحضارة، وبين من تُرِكوا على الضفّة ينتظرون. سنتذكّر كثيراً "ماري شيللي" وكتابها "فرانكشتاين".
تلك الأيّام ستكون سوداء من غير شك. لكنّ حكمهم لا يدوم. لأنّه سرعان ما سينهي نفسه بنفسه.
قلّة قليلة سترفض أن تخرج من الحضارة الزراعيّة. نعم، قلة عزيزة ستبقى تفلح الأرض، وتزرعها أملاً. قلّة ستبقى تقتات من المبادئ والنظم التي أسّست الحضارة البشرية. وستبقى تشهد بأنّ لا إله إلا هو. وبأنّ الذكاء وحده لا ينفع. قلة قليلة ستبقى تتعلّم، وتزاوج بين ما ينفع وما يلزم. قلة عزيزة ستبقى شهوداً. وهؤلاء سيكونون في غربة لكن لا في كربة، بل في راحة وفرح.