لن يقوى جحيم الهويات القاتلة بين "مطارنة لبنانيين وسوريين" على وحدة الكنيسة الأرثوذكسيّة

20-07-2018 جورج عبيد

تأبى كنيسة الروم الأرثوذكس في أنطاكية أن يحترق جوفها بصراع القوميات والهويات. لقد تسلمت من التراث الأصيل مسيحًا كونيًّا وليس قوميًّا من دون الإنكار بأنه من أرض المشرق أو أنه جعل من الجغرافيا المشرقيّة جسدًا له.
هذه كنيسة رسمت وجودها في لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى الخليج العربيّ ودنيا المهاجر حيثما حلّ المشارقة من جذورها. انطلقت جذورها من فلسطين، من المكان الذي فيه ولد يسوع ومات ثمّ قام. تأسست على ذلك التراث، ونمت من بركاته، وبعد صعود المعلّم الإلهيّ إلى السماوات، أنطلق الرسل من أورشليم إلى دمشق، ومن دمشق إلى أنطاكية حيث هناك دعي المسيحيون أوّلاً، ومن أورشليم انطلقوا إلى فينيقية، كانت فينيقية ممدودة حتى اللاذقية، بولايات متعددة، إلى أن أسقطت آلهة الوثنيين في أثينا في الأكروبوليس وأنهت عصر نيرون الفاجر في روما، فأنجلت العالم وكللته بمعموديّة الدم أي الشهادة. ترسّخت تلك الانطلاقة من العنصرة المقدّسة وفيها تكلم الرسل بلغات عديدة، ومنها العربيّة. وفي كلّ ذلك، لم يحصر المسيح نفسه بهوية واحدة ولم يحشر ذاته بقومية محدّدة، علمًا أنّ له هوية، بل قال أنا لكلّ العالم، جعل نفسه لكلّ المسكونة ولكلّ الأجيال، ومن أجلها بذل نفسه حتّى الموت موت الصليب كما قال الرسول الأكرم بولس.الأزلية والأبديّة فيه تحولّت في التاريخ إلى حركة كونية جمعت المتفرقات إلى حال واحدة.
إنطلاقًا من ذلك، كلّ كلام قائم على صراع الهويات نتلقاه أو نسمعه في هذه المرحلة الدقيقة المتأتيّة من مجموعة تحوّلات تسطع تدريجيًّا في المشرق، لغو وهباء ونشاذ في مدى الكنيسة. فإذا عدنا إلى التاريخ القديم، رأينا أن هذه الكنيسة تغرّبت كثيرًا بفعل السيطرة اليونانيّة الكاملة عليها تراثًا وطقوسًا وترنيمًا وهيكليّة وإدارة. ذلك أن المشرق أخذ إلى بيزنطية وعاش لقرون عديدة ضمن الفلسفة الهلينيّة، وجذب إلى الإغريق، وفي القرى كانت السريانية والآرامية لغة الطقوس والكلام. لقد أحسّ السوريون واللبنانيون بغربة عن كنيستهم وتاريخهم ووجودهم ضمن تلك السيطرة، وهم الآتون من يوحنّا الذهبيّ الفم الأنطاكيّ أي السوريّ ويوحنّا الدمشقيّ ورومانوس الحمصيّ المرنّم وثيودوروس الصوريّ (من صور) وأكيلينا الجبيليّة وبربارة البعلبكيّة والشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي في مرحلة لاحقة، خشي الكثيرون أن يصير قديسو المشرق نسيًا منسيًا، إلى أن انتفضوا على الهيمنة اليونانيّة، وفي اللحظة عينها كانوا يجهدون في سبيل التحرّر من الاستعمار العثمانيّ الذي هيمن على المناطق الشرقيّة برمتها، فكان ملاتيوس الدوماني وهو من دمشق أوّل أسقف عربيّ رسم بطريركًا على أنطاكية سنة 1898 بوجه البطريرك اسبيريدون اليوناني الذي أكره على الاستقالة بعد انتفاضة العرب بوجهه، وبعيد وفاته سنة 1906 انتخب مطران طرابلس غريغوريوس حداد وهو من بلدة عبيه قضاء عاليه في لبنان بطريركًا عربيًّا ثانيًا على الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس وقد عرف ببطريرك العرب القديس الذي أحبه المسلمون مثلما أحبه المسيحيون.
لم يتمّ التمييز لحظة واحدة بين بطريرك سوريّ وآخر لبنانيّ، لأنه حين يصل إلى السدّة البطريركية يصبح وجه المسيح وأيقونته في أنطاكية. بعد وفاة البطريرك غريغوريوس سنة 1931، وقد كانت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسيّ، حاول الفرنسيون إقحام أنفسهم في مسألة انتخاب سلف لغريغوريوس، فأتوا بأرسانيوس حدّاد وقد كان مطرانًا على اللاذقيّة وهو من بلدة عاليه في لبنان، وقاموا بتعيينه بطريركًا خلافًا للنظام المجمعيّ. انطلق مسعاهم بوجه الأرثوذكس العرب، المتشبثين بمسألة الهويّة، فانطلقت التظاهرات في طرابلس وحمص وحماه ودمشق وبيروت بوجه التدخل الفرنسيّ ووقف المسلمون إلى جانب الأرثوذكس، وساند المتمردون انتخاب المجمع المقدّس للمطران ألكسندروس طحان وهو من دمشق وقد كان مطرانًا على طرابلس حتى بلغ الكاتدرائية المريميّة في دمشق ونصّب فيها بطريركًا على أنطاكية. في تلك المسألة عزف الفرنسيون على مسألة الوتر القوميّ، بسبب أنّ الكنيسة الأرثوذكسية حملت مشعل العروبة، وباركت فيصل مع البطريرك غريغوريوس الرابع في معركة ميسلون التي استشهد فيها يوسف العظمة، كما أن مفكريها وعددًا من أساقفتها حملوا مشعل النهضة العربيّة وأضاءوا به فضاء سوريا ولبنان وأرضهما. عزف الفرنسيون على هذا الوتر، حتى من بعد تسليم أرسانيوس برئاسة كهنوت ألكسندروس وقد كان على فراش المرض في مستشفى القديس جاورجيوس في بيروت وولاّه بطريركًا على أنطاكية وسائر المشرق، وحاولوا خلال رئاسة ألكسندروس إقناع مطارنة لبنان بالانفصال عن سوريا والاتجاه إلى تأسيس كرسيّ خاصّ بأرثوذكس لبنان بالانفصال عن كرسيّ دمشق، إلى أن أجهض الأرثوذكسيون العرب هذا المسعى وقالوا بأن الكنيسة الأرثوذكسية واحدة ولا تتمزّق.
مرّت الكنيسة الأرثوذكسيّة بأزمات كبرى أتعيتها في كثير من انعطافاتها، منها الأزمة البطريركية، حيث قام عدد من المطارنة بالانشقاق وكان على رأسهم المطران أبيفانيوس زائد والمطران نيفون سابا والمطران بولس الخوري والمطران أغناطيوس حريكة. لم يأتِ الانشقاق على خلفية قومية بل على خلفيات أخرى مختلفة، وأستقلّوا وحرموا في الوقت عينه. لن نغوص في بوادي التاريخ هذا، بل نستعير منه بعض تلك الملامح ونحن نتلقّى من الكثيرين كلامًا حول سورنة الكرسيّ الأنطاكيّ المقدّس مقابل اللبننة. وكأننا نعيش في الواقع إرهاصات التاريخ ولكن في أزمة كيانية وكينونية اجتاحت المنطقة بفعل زرع القوى التكفيرية عبر قوى غربية وإسرائيليّة تشاء النيل من المسيحيين العرب بدءًا وإحراق المنطقة برمي الفتن وإن بقيت عند حدود اللفظ ما بين لبنان وسوريا. وللأمانة يفترض بالذين يعلّون هذا الخطاب ويرفعون أصواتهم به أن يتذكّروا بأنّ مطارنة لبنانيين تسلموا رعاية أبرشيّات في سوريا كحمص وحماه وحوران واللاذقية، هل ننسى المطران أثناسيوس عطالله من الشويفات وقد كان مطرانًا على حمص، والمطران ألكسي عبد الكريم وهو من عرمون عاليه وقد كان مطرانًا على الأبرشية عينها، هل ننسى المطرانين أثناسيوس سكاف من بلدة راشيا وإيليا صليبا من كفرصاون الكورة وقد توليا أبرشية حماه، هل ننسى المطران باسيليوس سماحة من بلدة الجوار قضاء المتن وقد كان مطرانًا على حوران، ويوحنّا منصور اللبنانيّ الأصل؟ في المقابل هل ننسى بأن أوّل مطران على جبل لبنان بعد انفصالها عن بيروت كان بولس أبو عضل من دمشق وجراسيموس مسرّة من اللاذقية مطرانًا على بيروت، وألكسندروس طحان الدمشقي البطريرك لاحقًا على طرابلس؟ لماذا الكلام يتدحرج في تلك اللحظة عن صراع لبنانيّ-سوريّ داخل البنية الكنسيّة؟
وللأمانة، يفترض بنا الاعتراف بأن البطريرك يوحنّا العاشر، ليس بوارد الاندراج في خطاب مقيت كهذا وينبذه ويلفظه من قاموسه لأنه خارج التراث الأرثوذكسيّ الأصيل. المطارنة بهوياتهم السورية واللبنانية هم جزء من المجمع الأنطاكيّ المقدّس، والمطران الياس عودة يرفض بدوره رفضًا مطلقًا زجّ الكنيسة في مثل هكذا خطاب مقيت لأنه مؤمن بوحدة الكنيسة الأنطاكية بإمامة بطريركها. إذًا نحن أمام سدّ منيع وصلب، وليس لخطاب كهذا أن يخترقه ويدمّره. والكنيسة واحدة لأن مسيحها واحد وهو فوق خطاب القوميات وصراع الهويات، وقد أسماها الأديب الفرانكفونيّ الكبير أمين معلوف هويات قاتلة Les identities meurtrières مطلقو هذه النزعات إمّا هم مجموعة تجهل واقع الكنيسة الحقيقيّ لتسقط جهلها في مساحة الزبف الأسود، أو أنها مجموعة تنطلق من مشاريع سياسيّة مقولبة ومدوزنة تحاول من بعد حسم الميدان السوريّ، إسقاط المواجهة السياسيّة في المدى الكنسيّ الأنطاكيّ لتشويه الهوية الحقيقيّة، في اللحظة التي كانت فيها الكنيسة رافضة للحرب السوريّة بكلّ تداعياتها تساندها الكنيسة الروسيّة.
لقد لحظ المثلّث الرحمات البطريرك إغناطيوس الرابع في خريف 2012 أي قبل وفاته بأسبوعين بأنّ الحرب على سوريا لم تهدف إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، بقدر ما هدفت إلى إسقاط سوريا، وبرأيه، متى سقطت سوريا سقط معها لبنان والعراق، ونسي الناس قضية فلسطين وقدسها الشريف، واهتزّ العرش الهاشميّ في الأردن. هذا الخطاب المقيت يزرع مجدّدًا في الكنيسة لأنّ فيها كبارًا منذ البطريرك الراحل الياس الرابع اللبنانيّ، إلى البطريرك يوحنّا العاشر، الأوّل، حمل قضيّة فلسطين والقدس ولبنان، إلى مؤتمر لاهور الإسلاميّ، وذكّر من باع فلسطين وتورّط في الحرب اللبنانية بأن فلسطين باقية بقدسها ولبنان راسخ وعاصمته اللؤلؤية بيروت باقية ولن تقسّم، ثمّ مات الرجل مسمومًا لأنه قال كلمة الحقّ ولم يتنازل عنه قيد أنملة، والبطريرك إغناطيوس الرابع في طرابلس سنة 1993 قال القدس معراجنا إلى السماء، وصخور وهضاب الكورة الخضراء ووادي النصارى وعكار وحوران تعبّر عن هويتنا الحقيقيّة، والبطريرك الحالي يوحنا العاشر أطال الله بعمره رفض سقوط سوريا لأنه فهم معنى السقوط ومغزاه وقرأ بأن القوى التكفيريّة المزروعة في حيّنا لا تنتمي إلى الرؤى التوحيديّة القائمة في اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، هذه قوى آتية لتمزّق الله وتبطل الوجود المسيحيّ المشرقيّ المتعانق مع الإسلام القرآنيّ. هذا الخطاب يزرع مجدّدًا في الكنيسة لأنّ فيها مطارنة كبارًا كالمطرانين جورج خضر والياس عودة، حملا فلسطين ولبنان والمشرق كلّه في عقليهما وقلبيهما، وصاغا، كلّ بطريقته، أدبًا لبنانيًّا مسيحيًّا ومشرقيًّا عالي المستوى، حفّز ويحفّز العالم بعدم التفريط بحبة واحدة من تراب لبنان، ومن تراب القدس، لقد سطع خطاب المطران الياس في الأزهر الشريف حول القدس كامل البهاء والانتماء إلى تلك القضيّة. إن استدخال خطاب قائم على الهويات القاتلة، إلى رحاب الكنيسة الأرثوذكسيّة المشرقيّة ضرب من ضروب التفتيت، وهذا لن يحصل على الإطلاق لأن كنيسة الروم الأرثوذكس في أنطاكية وسائر المشرق كنيسة المسيح، الصخرة التي ستبقى راسخة على الرغم من الأنواء والأهوال، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، لأنها كنيسة النصر العظيم كنيسة فصح المسيح كنيسة فجر أول أيام الأسبوع.