نحن

10-07-2018 مازن ح. عبّود

إنّنا في هذا الشرق قوم لا نعرف كيف نخاصم. فخصامنا عداوة. وإذا اتفقنا فإنّنا حتماً نتّفق على إبادة طرف ثالث. لا نحب كي نحب، ولا نتّفق كي نتصالح. بل نتّفق غالباً لتحقيق مصلحة مباشرة. وعندما تنتفي المصلحة يقع الخصام مجدّداً. إنّنا نتكلم عن السلام ونحقق الهدن في مسيرة الحرب الطويلة التي لا تنتهي من أجل امتلاك كل شيء.

المشكلة تكمن في اعتقادنا أنّنا نمسك الحقيقة دوماً، وأنّنا أفضل الناس. ومن ليس معنا فهو علينا، وهو حتماً من الشرير. الليبرالية الزائدة وطبيعتنا القبلية جعلت منّا رؤوس بطاطا. رؤوس بطاطا لا يجمعها الا المستوعب، والمستوعب مصلحة وخوف.
إنّنا رؤوس بطاطا، لأنّنا قوم لم نتعلم كيف نفكّر معاً. وأنْ نعمل معاً وننتصر معا ونحزن معاً. فحزننا هو فرح غيرنا، وفرحنا غمّ غيرنا من الناس. وانتصارا تنا لا يمكن إلا أنْ تكون فردية كي تضخّم فينا الأنا. نعتقد بأنّ الشورى ضعف. وبأنّ إشراك الغير إشراك في الدين، وانتقاص لكرامتنا، وانتهاك سافر لقدراتنا وكفاءاتنا.
ونروح لنجعل من كل المسائل الصغيرة، قضايا وجودية وعقائدية كبرى. فلا نريح ولا نستريح. ونحوّل الخاص إلى عام، ونلبسه قضايا كبرى كي نبرّر حروبنا. نُشرّع ونفتي لذواتنا. ونحرّم على غيرنا.
الويل لمن يقف في وجهنا. والويل لمن ينافسنا. فإنّنا ننزله عن كرسيه ونشيطنه. ومحظوظ من نعتبر بأنّ وجوده ضروري لنا كي نتسلق أو نعبر. نؤلهه إلى حين نمر أو نتسلّق أو نعبر. ومن ثمّ ننزعه من عالمنا. ونرمي به في الحفرة، ولا نعود نسأل عنه.
نعم فنحن قوم بغالبيتنا لا نتقن إلا الدجل. نعم نحن قوم لا نرى في الغير الذي نحبه وبالعناصر التي نقدّرها، إلا مصلحتنا وأنفسنا وما ينفعنا. نتكلم لغتين او أكثر. لغة في العلن و"لغة في الخفاء". نتمسكن ونبرّر ذواتنا ونشعر بأننا مظلومون دوماً.
إنّنا نقوم نسرق الغني، ونغدر بالقوي، وندوس على الضعيف. نبحث عن الضوء كي يبان ظلّنا كبيراً. وكي يرانا الناس فينبهرون. ولا نسعى لامتلاك الضوء الذي يضيء الوجوه ولا يلغيها، كما ورد في الكتب. فأضواؤنا تحجب النور عن غيرنا، لأنها صنع شاشات ومصابيح.
نتكلم عن إزالة الإقطاع وعيننا على كرسي الإقطاع. نسعى إلى إزاحة أولئك لا حباً بالتحرّر وبتحرير مجتمعاتنا كما نقول، بل رغبة بالاستئثار.
ونروح نقلد من ازحناه من حيث لا ندري في المظهر والسلوك. ونهتم كثيراً في إظهار أنفسنا للناس مقتدرين وأغنياء وأقوياء وكرماء وأخلاقيّين. وهذا لا يُعبّر بالضروري عن واقع حالنا. نلاطف ونهادن القوي. ونستزلم للغني والمقتدر. ونروّض الفقير كي يصير أداة لنا، وإلا ألغيناه.
نحيط أنفسنا بالمستزلمين والمتملقين. فنحن نكذب. ونعشق أنْ يكذب الآخرون علينا.
وترانا نفقد طبيعتنا، فنصير "نقلد الوزّة في مشيتها". نمتلئ هواء ونطير في هواء من صنع أوهامنا. ونشعر بالإحباط كلّما ارتطمنا بأرض الواقع. فنصير أضحوكة من حيث لا ندري.
إنّ من يعيش في هذا الدهر يظن بأنّ الخير قد اندثر. وبأنّ لا وجود للصلاح. فكل ما نلتقيه يعثر. وغالباً ما يكون المظهر تغطية، وليس مدخلاً. فنحن نعيش في عالم ظلال تحكمه لعبة ضوء، إنّ سلطته على نملة بانت ديناصوراً. نعم أضواء المسرح الخافتة تتحكّم بكل شيء.
لذا، فإننا ما عدنا نشعر بالسلام في حضرة غالبية الناس. وهل يعطي السلام من فقده؟
نحاول إشعار الآخر بفُقرِهِ وحاجته إلينا والى مالنا وسلطتنا وقدراتنا.
أتُرى من يحرّرنا من كل هذا الكذب، ومن هذه المهزلة؟ أترى من يحررنا من وهمنا ومن لعبة الضوء في عالم الظلال؟
ربي اسألك أنْ تحرّرنا قبل أنْ تعطينا حريتنا. وان تسلطنا على ذواتنا قبل أنْ تسلطنا على الناس. لا تغفل عينك عنا كي لا نصير في عين العاصفة، وكي لا نتحوّل إلى وهم في عالم ممتلئ بالعظام والأوهام.