ولدي والمصلوب

03-07-2018 مازن ح. عبّود

تطلع الى المصلوب وقد استسلم كليا واستكان على الخشبة، فسألني في نبرة عالية: "اين الناس؟ اين الصليب الأحمر؟ كيف يترك شاب بهذه الوسامة والوداعة مصلوبا هكذا، ولا يتبرع أحد بأخذه الى المستشفى او يستدعي له طبيبا؟ أترى من يكون؟ اين قومه؟

صدمني سؤاله، ولم أستطع ان اجيبه فورا. ما اجبته على الفور لأني لم أكن اعرف كيف اجيب الأولاد فلسفة ولاهوتا، دون ان اخدش احلامهم. لم اعرف كيف أقول الحقيقية كل الحقيقة بشكل يتقبله من هو في عمر ابني. وابني ما كان قد تجاوز مسافة اعوامه الأربع بعد. فأخبرته بأننا قوم المصلوب الذين لا يمتلكون الاهلية لإحداره عن الصليب، ولفه بالكتان.
رحت أتأمل في وجه المصلوب المستكين والمرتاح بعد ان تممّ الوعد، كما في عينّي ابني. وبعد انتظار، ابلغته بانّ يسوع صلب لانّ في الأرض كذبا وحسدا ونفاقا ومواربة وملوكا كذبة ورؤساء ووجهاء يكهنون للأصنام. ابلغته بانّ الشر لا يقبل كل ما ليس من طبيعته. وبأنّ الخير ارتضى ان يصير لعنة كي تصير اللعنة خيرا.
لكني عدت فطمأنت الصبي قائلا: "المصلوب انتصر بوداعته. الوديع الذي رسم لنا بشهادته دروبا مختلفة".
سألني عن الوديع. فأجبت: " الوديع هو الكلمة الذي خط بسيرته الكتاب. ومن صار الكتاب تقرأ الناس فيه وفي اعماله النور الذي لا يعتريه ظلام".
وتنهدت قائلا: " كم صاروا كثرا من يقرأون في الكتاب دون ان يصيروا من الكتاب؟ انها ازمة البشرية والعصر".
ومن ثمّ تابعت مبلغا إياه بأنّ المصلوب قد تمم المقصد، لمّا أستودع روحه بالكلية في يديّ الحق. وها هو ينظر الى كذبنا من فوق، ويدعونا الى فوق.
وعاد سأل عن سبب ترك المصلوب على الصليب. فأجبت: "الناس لا تحب الاقتراب من الصليب، مخافة ان تصلب. فغالبيتهم يسعون ان يكونوا بيلاطس الذي يصلب. نعم، لا يتحمل البشر يا ولدي الصليب. لذا، فالمصلوب مسمر عليه بالنيابة عنهم. نخشى ان نقترب وننظر في عينيّ المصلوب، مخافة ان نتعرى. لا نقترب لأننا ما زلنا نكذب في كل يوم. ومازلنا نبرر لأنفسنا الكذب. ونلوّن الكذب. ونتنفس الكذب. انّ من يكذب لا يعود يستطيع ان ينظر في عينيّ المصلوب. ولا يعود يملك الجرأة لإنزاله عن الخشبة، لذا فالمصلوب سيبقى معلقا دوما بانتظار من ينزله. ابلغته كيف أنّ يوسف المتقي انزله لأنه كان شجاعا وبارا. وتلوت عليه قصص من سلمه.
هزّ صغيري برأسه وعقد العزم على الاقتصاص ممن صلبوا المعلم. وقال: "عندما أكبر يا ابي سأريهم، واجازيهم". فضحكت. وقلت: "إذا ما كبرت يا ولدي لا تكن جلادا يصلب بل عفيفا وبارا وشجاعا ينزل المصلوب ويلفه ويجهزه ويضعه في قبر القيامة. عش قناعاتك، كي يقرأ الناس فيك. فالناس تقرأ لا بما تقول بل بما تفعل".
قبّل ولدي الصليب، وانا قبلت المصلوب. وحملت بطلي ومضيت.