الفاعل والمفعول به

19-06-2018 مازن ح. عبّود

لا يشعر من يتابع مسار تشكيل الحكومة بأنّ الأمور موضوعة على نار حامية. بل يشعر بأنّ استحقاقا قد وُضِعَ في الشمس كي يستوي على حرارة طاقة متجدّدة.
تغريدة من هنا على إثر زيارة من هناك تُشعل التغريدات. فتخال بأنّ أحدهم قد أطلق إشارة التصويب لإدخال العهد في المطب الثاني. فكأنه يراد بذلك القول بأنّ العهد قد أدّى قسطه للعلى، وقد حان موسم السبات. تشعر بأنّ الكشّافات الضوئية قد صوّبت بقوّة على السلبيات إيذاناً بإطلاق حملة تُكبّل وتعطّل وتؤلّب الناس.
تسمع كلاماً كبيراً في الإصلاح، ولا تجد بأنّ المؤسّسات المعنيّة في هذا الإطار قد بدأت تعمل بما يتناسب مع هذا الكلام الكبير في السياسة. فالإصلاح يستوجب عدّة. وعدّته تزويد معنويّات، وإزالة العقبات أمام "هيئة التفتيش المركزي" وإداراته، وتفعيل أدواره كي يبدأ باستصدار قرارات. في زمن الإصلاح نتوقّع إعادة الاعتبار إلى "مجلس الخدمة المدنيّة". فيتفعّل عمل "الهيئة العليا للتأديب" التي تشكو من نقص في الملفّات المحالة اليها.
أترى من يسحب سيف "الوضع بالتصرّف" عن رقاب المدراء العامين، ويعيد تسليط سيوف أجهزة الرقابة عليهم، فيُصرَفون لأنّهم ارتكبوا، وليس لأنّهم لم يُذعِنوا أو يَرضَخوا لرغبة هذا الوزير أو ذاك الزعيم أو الرئيس؟ فالوضع في التصرّف تدبير سياسي هدفه التطويع. أمّا تدابير الأجهزة المختصة فردعيّة قضائيّة ومسلكيّة. فلماذا لا يُحال من يُشتَبَه بأدائهم إلى هذه الهيئات كي يحاكموا، فيُترك من تثبت براءته ويُدان من تَثبُت إدانته؟ أم أنّ المطلوب أنْ يعمل كبار الموظفين لدى المرجعيّات وليس لدى الأرزة؟
لا يجوز أنْ تُسحَب كل السيوف عن الرقاب، ويُترَك السيف السياسي وحده مُسلَطاً. فمفاعيل السيوف السياسيّة إخضاع لكل شيء لسلطة الحفنة التي لغاية هذا التاريخ تتكلّم إصلاحاً من دون أنْ تُتَرجَم هذه الرغبة.
في زمن الإصلاح نتوقّع أنْ يعود "ديوان المحاسبة" إلى الواجهة. وأنْ يتم تفعيل أدوار "هيئة التفتيش القضائي". فتُمسي كل هذه الأجهزة الحدث، ويصير الإصلاح ينطق بأفعالها، بعد أنْ تَسحَبُ الحُفنة الحاكمة الغطاء عن كل المرتكبين. نُريد أنْ يعودوا إلى الصورة كفاعل وليس كمفعول به وهنا القصّة كلّ القصّة. هذا ما نريده كي يتمّ إنقاذ البلد. فلتَتَّخذ السلطة السياسية قرارها فور تشكيل الحكومة كي تُعاد الهيبة إلى الدولة ومؤسّساتها، وكي يتم إنقاذ الدولة من الإفلاس المُحدِق بنا.
ما عاد الإصلاح في البلد خياراً بل فرضاً علينا، في ظل ما يشهده الوضع الاقتصادي من تراجع. ما عاد الإصلاح خياراً بل واجباً. والإصلاح يبدأ في تحفيز كل ما هو مُنتِج، ومعاقبة ودراسة أوضاع كل ما هو متعثّر. ثمّة مؤسّسات وقطاعات منتجة يمكن الاستفادة من تجاربها. ليس البلد غارقاً بكليّته في الظلمات، ولو أنّ الصورة قاتمة.
نعم، إنّ الإصلاح ممكن. وما ينقصه هو رغبة سياسية وعجلة حكوميّة ننتظر أن تُقلع بعد تشكيل حكومة لا يجب أنْ تتأخّر. فثمة استحقاقات كبرى لا تنتظر أبداً. فما من مصلحة أنْ يسقط البلد ونسقط معه.
أنا على ثقة بأنّ فخامة الرئيس صادق في رغبته في الإصلاح. وبأنّ دولة الرئيس المكلّف محب لبلده وراغب بتطويره وإنقاذه من شبح الوقوع في الفشل والإفلاس. عندي آمال كبيرة في الكثيرين ممّن عرفتهم وأعرفهم. ثمّة فرصة لإجراء إصلاحات بنيويّة قبل فوات الأوان، وقبل أنْ يتم إدخال العهد في المقلب الثاني. فلا نضيّع الفرصة علينا وعلى البلد. ثمّة فرصة في إنقاذ البلد في زمن حكم الأقوياء، إذا ما أرادوا حفظ سفينتهم التي هي سفينتنا.
ثمة فرصة حقيقية كي لا يقع البلد. فلتتضافر الجهود. ولتتشكل الحكومة سريعاً اليوم قبل الغد. حكومة تراقب وتُوجّه وتُصحّح وتضع الأطر العريضة للعمليّة الإصلاحيّة. ما عاد يهمّنا الحصص بل بقاء البلد. ما عاد يهمّنا من يحكم بل من يؤمّن الخدمات الأساسيّة، فلا نعود نقيم في سياراتنا على الطرقات بدل المنازل. ألا فأنتجوا سريعاً حكومة قادرة على كل ذلك. حكومة يكون أسماء وزرائها: إصلاح، وبحبوحة، وتربية، وماء، وكهرباء، واستقرار، وأمن، وطرقات، وهاتف، وثقافة، وسياحة. ولتسقط سائر أشكال المسوّدات والمشكلات والأزمات التي ما عادت تهمّنا. فما يهمّنا هو استمرار وجود بلد يليق بكم وبنا جميعاً. وإلا سنصبح جميعاً في حكم "المفعول بنا" وإلى أجل غير معلوم.