نقابل ناس… نفارق ناس

21-05-2018 د. سابا قيصر زريق

من منا لم تطربه كلمات اغنية "نقابل ناس ... نفارق ناس"، التي تؤديها ببراعة فريدة الفنانة المصرية ياسمين علي بصوتها الملائكي وهي تسرد ناموس حياتنا؟

ان ما يحثني على الاستشهاد بكلمات هذه الاغنية هو قانون انتخاب اعضاء المجلس النيابي الجديد، الذي اعده وفرح به بعض ممن ابكتهم نتائجه. استجلب هذا القانون من الصفات الحسنة عِشرَ عِشرِ الصفات السيئة التي يستأهلها. فمنهم من بارك نسبيته، وهي نسبية وهمية؛ ومنهم من شبّه صوته التفضيلي بـ “One Man One Voteاو صوت واحد لكل شخص، وهو نظام اقتراع مطبق في بعض البلدان البعيد لبنان كل البعد عن تحضرها. ولو طُرح على الباحثين امر وصف هذا القانون لاعطائه صيغة دستورية ما، لتباروا في ايجاد قالب قانوني يناسبه، داعمين اطاريحهم بدراسات مقارنة لا جدوى منها على الاطلاق، اذ هي لن تفضي في اعدل الاحوال الا الى اكتشاف المعروف و هو انه قانون غريب عجيب.
فهو النسبي المموه؛ والارثوذكسيُّ في فحواه، وإن أعطي الناخب فيه بصورة ضمنية حق اختيار اي مرشح من خارج طائفته او مذهبه. وهو السالب لارادة المقترع الذي يحشر صوته مرغماً في خانة واحدة، فان اختار صاحبها، جاء اختياره حكماً للائحة بكاملها تضم مختاره وآخرين قد لا يستسيغ ان يصل اي منهم الى الندوة البرلمانية. كما وهو بصوته التفضيلي قانون الافتتان بين اعضاء اللائحة الواحدة.
ولا ابوح بسر ان ذكّرت القارئ بأن مبدأ النسبية في الاقتراع المتعارف عليه عالمياً يقضي بتنظيم اللوائح على نحو يضم مُرشحين يتشاركون الاهداف والاهواء ولهم برامج مشتركة، تصب بنتيجته شخصية كل منهم السياسية في لائحة متجانسة، مما يسمح للناخب بأختيار المبادئ والطروحات والبرامج التي تجسدها اللائحة والتي تتماهى ميوله معها. غير ان ما حصل في بلدي في سياق تأليف اللوائح، فهو تهافت بعض رؤساء اللوائح لاهثين لاختيار المرشحين الذين سوف تضمهم لوائحهم، دون اعارة في غالب الاحيان اي اعتبار لقواسم مشتركة، بل بالارتكاز فقط الى عدد الاصوات التي يمكن لمرشح من هنا، وآخر من هناك، ان يغدق بها على اللائحة، بغية تأمين حاصل انتخابي او أكثر، او الى الدولارات التي تجود بها جيوبهم لتمويل اللائحة او مؤلفها. فمن الطبيعي ان تأتي بعض اللوائح الانتخابية التي تنافست في 6 أيار بحلة اشبه ما تكون بـ "السلطة النيسوازية".
ولكن ما علاقة ما اسلفت بأغنية ياسمين علي "نقابل ناس... نفارق ناس"؟ الاجابة عن هذا السؤال هي ان في الاغنية تعابير تنطبق على حالنا، ذكرتها بين مزدوجين في الآتي:
لن نستغرب، بعد ان "تقابل" مرشحون في لوائح هجينة أن "يتفرقوا"؛ "فمن يضمن الايام" التي وعد كل منهم الآخر بانها سوف تعزز اواصر التقارب فيما بينهم؟ رأينا "الجارح" و"المجروح" وكم من المرشحين منهم "يعيشون على الماضي". اما المجتمع المدني كما يحلو لكل غير ملتزم بحزب او تيار ان يعلن انضواءه فيه، فهو في حراكه العقيم وسعيه الدؤوب لتحقيق خرق من هنا او آخر من هناك، هو الطامح الى تغيير الوضع القاتم القائم، فبُلي بهزائم بسبب اصابة أركانه بلوثة طمع الطامحين غير المنظمين. فلولا انتصار واحد يتيم، لاختفى بريق الامل الذي سطع قبيل 6 ايار في اكثر من دائرة انتخابية.
وان تمكنت بعض الوجوه الواعدة الجديدة النفاذ من خروم الشبكة الانتخابية المحبوكة باحكام، بفضل نسبية ما نص عليها القانون اللعين، فانها لا محال سوف تلتحق باحدى الكتل النيابية العريقة التي هيمنت وما زالت تهيمن على البلد.
عقود من الزمن مرت على الاستقلال، بهمها وغمها ودمائها وشهدائها وفسادها وطائفيتها ومذهبيتها و لم تأت على السعي المستدام الى مستقبل افضل، قد يتحقق يوماً ما. وبانتظار الفرج المرجو، سوف يردد القائمون على مقدراتنا، مع ياسمين علي، انه، على الرغم من كل شيء، "الحياة ماشية عادي". اما انت ايها المواطن، فـ "بتضايق وبتزعل ليه"؟