...فقط احسنوا الخيارات

05-05-2018 العميد منير عقيقي

الكتابة وتثاقف الأفكار هي المجال الأحب عندي. لكني لم أشعرُ يوماً بمشقة الكتابة كما حصل معي عندما تمنت إدارة جمعيتكم الموقرة المشاركة بمقالة تُحاكي واقعكم في الحاضر والمستقبل. صحيح ان الكتابة هي احدى أدوات عملي المديد في الجيش والمديرية العامة للامن العام. لكن الأصح انها تنطوي على مخاطرة عندما تكون ممن سبقكم عمرا وخبرة. وتزداد وتيرة القلق ارتفاعا خشية أن يكون فيها توجيها يرفضه عفويا من كان بمثل عمركم. وستكتشفون لاحقا أن الرفض اليوم، طبعا العفوي والمعلّل، هو أجمل ما كان عندكم. وهو وحده من سيصيغ هوياتكم الفكرية والثقافية والمعرفية. لذا، وإذا كان لي من نصح أسديه، هو أن تجعلوا من رفضكم أُفقا خلاقا لا عبثيا أو فوضويا. وليكن اعتراضكم على الواقع أداة ديموقراطية في تغيير السيء في حاضرنا، وهنا أتحمل، أنا ومن معي من جيلي ومن سبقنا، ان أورثناكم وطنا منهكا بعبء الانتساب إليه أو التناسل منه.

تاريخ ميلادي لا يُغير من واقع أني ابتعد عنكم أجيالا، لكنه في المقابل ينضح بمحن ومآس كان يمكن ان نتجنبها لو تمسكنا وأبناء جيلي بالدولة والوطن سبيلا وخلاصا من الاستعصاءات السياسية التي راحت تتراكم، حتى كانت الحرب وما شابها من احتلالات وتدخلات إقليمية ودولية جعلت من جمهورية الأرز ساحة، بكل ما تعني كلمة ساحة.
لم يكن للبنان أن يسقط لو أننا ادركنا أهمية التمسك بما يوفره نظامنا السياسي من آليات ديموقراطية للإصلاح. لكن بعضا منا، نحن اللبنانيين جميعا وبكل ألوان طيفنا ومن كل المناطق والجهات، استسهل اللجوء إلى العنف، وبعضنا الآخر آثر الهجرة بحثا عن وطن بديل يوم كان لبنان مُهددا بأن يكون بديلا وحلاّ على أنقاض مأساة شعب. لقد كانت الحرب جنونا مُطبقا، وبلغت من العنف حدّا حال دون حتى امكان الجوار بين اللبنانيين. وسقط الجميع في دوامة الشروط والشروط المُضادة حتى استحال البلد جحيما لا يُطاق.
وإذا كان انتمائي إلى المؤسسة العسكرية شكّل نوعا من المناعة الوطنية، وحال دون سقوطي في الكراهيات المتبادلة لي كما يفترض انه حال كل أبناء الجيش، لكن للأسف لم يكن كذلك للعديد من اللبنانيين الذين استدعى كل فريق منهم خارجا يستقوي به على داخل آخر، ليكتشفوا لاحقا، بالدم والدمار والمآسي، انهم كانوا جميعا يمارسون عملية انتحار جماعية. وان في هذا البلد لا يوجد كثرة بمقابل قلة. بل الكل قلة والعالم يتعامل مع مكونات البلد كلهم بوصفهم قلة.
أسوق هذا الكلام كله لأصل إلى ما ترمي إليه هذه المقالة، أي محاكاة الشباب المسيحي على أبواب الانتخابات النيابية الذي يجعلكم معنيين مباشرة بالاضطلاع بصناعة مستقبلكم من خلال انخراطكم بهذا الاستحقاق اقتراعا وترشيحا، لتصنعوا وطنا يحضن أحلامكم وطموحاتكم. ولتبنوا وطنا قادرا على انتاج الحوار الدائم والمستمر والمتحرر من أي شرط كي تنجوا من المحن التي اختبرناها بالموت. ولأن العكس من ذلك يعني إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ويصبح الوطن في حال الحرب معادلا طبيعيا وموازيا للهجرة.
في لبنان اليوم ثمة قوى كثيرة تزايد على غيرها بالوطنية وبنظافة الكف، حتى ليخال المرء ان الفساد الذي صار بنيويا، والتنابذ الذي يستعيد كراهيات الماضي القريب انما يحدث في بلد غير لبنان. هذا الكلام حتما لا يرمي الى استهداف أحد بعينه، انما هو دعوة لتكونوا على مثال مسيحيتكم الحقة في المحبة والتفهم، وكي لا ترثوا "هويات قاتلة" قبل ان تعينوا على وجه الدقة إلى أين ستصلون؟ ومسيحيتكم تُلزمكم بأن تستكشفوا، من موقع الثقة والإيمان بلبنان وطن نهائي لجميع بنيه، كل هويات مواطنيكم وهواجسهم وطموحاتهم.
وحدها الخيارات العقلانية ستكون عازلا عن المآسي. هي الضمانات كي لا تسقطوا حيث وقع أهلكم بقرار وإرادة أو عن عكسهما. هي ايضا وايضا ستفتح بصركم وبصيرتكم على انه لا مناص من بناء وطن تكون فيه الوطنية من طريق المُمارسة، وليس من باب الادعاء لتخوين هذا أو الطعن بولاء ذاك. فالوطن كما الايمان، هو استقرار وشعور مستمر بالطمأنينة. فابنوا وطنا يليق بكم وبما ترمون إليه، ولا تركنوا إلى آمال عريضات مُدرجة بنصوص صاغها طامح لنيل صوت تفضيلي وليس للفوز بدولة قوية وعادلة.
كل ذلك خوفا عليكم وليس منكم، فأنتم الأمناء على مستقبل هذاالوطن، والعمل على اعادته دولة تفتخرون بها. فلا تتهيبوا المسؤوليات. فقط أحسنوا الخيارات.
العميد منير عقيقي في مجلة الشبيبة العاملة المسيحية في لبنان
عدد خاص عن الانتخابات النيابية 2018