نفايات وانتخابات

17-04-2018 مازن عبّود

هل بدأنا نستسلم لواقعنا ونبحث عن وسائل للتعايش مع ازمة النفايات في المكبات البحرية بدل البحث عن اطر لحلها؟ وهل بدأنا نبحث عن وسائل لتوسعة المكبات البحرية وعن الادوية الكفيلة لدرء خطر الحشرات بدل إقرار خطة معالجة نفايات صلبة واقعية وعلمية ومقبولة؟ هل وصل بنا العجز حتى صارت اكوام النفايات اقوى من أي منا، واقوى من أي حكومة وحتى من نظامنا السياسي؟

أسئلة نسألها على أبواب الانتخابات. أسئلة تستتبعها أسئلة أخرى عن مدى جودة القانون الانتخابي الحالي وقدرته على انتاج طبقة سياسية جديدة تضع البلد فوق مصلحتها وتنتج حكومة قادرة على تحمل المسؤولية وحل هذه الازمة التي صارت مثل قصة ابريق الزيت. وهل انّ احتساب العتبة الانتخابية للقانون بشكلها الحالي تخدم ما يسمى المجتمع المدني ام تخدم السلطة؟ وهل انّ هذا النظام الحالي القائم فعليا على الدوائر المصغرة يخدم القضايا والهموم الكبرى؟
أترى من يمثل المريض والمستضعف؟ وهل المريض والمستضعف والمتألم يحاسب؟ ام انه قد ارتضى ان يتحوّل الى رقم، بعد ان سلم امره بالكلية الى إله نصّبه، ولا يرضى ان يسائله، مخافة ان يغضبه، فيقع في القلق والخوف؟
انّ ازمة النفايات انعكاس، لا بل نتيجة لتسليم الناس اعناقها للقلة التي تتحكم بالبلد.
نشر ريشارد فالر وفيليب لاندرغان مقالة بعنوان " اهمال خطر التلوث" بتاريخ 20 آذار، 2018. وقد ورد فيها انّ 16 بالمائة من الوفيات في العالم هي نتيجة التلوث الذي اضحى خطرا وجوديا. واشار الى انّ معظم هذه الوفيات تحصل في بلدان كلبنان، وذلك نتيجة تعرض الناس لمواد ملوثة ومسرطنة مباشرة او بطريقة غير مباشرة. كما تطرق كاتبا المقالة الى التأثيرات الاقتصادية للتلوث. فاعتبرا انّ كل دولار أنفق لمعالجة تلوث الهواء أدى الى وفر ثلاثين دولار نتيجة تراجع اكلاف الفاتورة الصحية وما شابه.
هل تدرك الحفنة التي تتحكم بالبلد بذلك؟ وهل سيصل بهم الوعي الى رصد الأموال اللازمة لإعداد دراسة بغية فهم تأثيرات التلوث الناتج عن النفايات الصلبة، ومن ثمّ البحث وإقرار الحلول، ام انّ لا مصلحة لهم في ذلك؟ لقد دخلنا في مرحلة النتائج بعد ان استنفذنا انصاف الحلول. فامتلأت بحارنا بالنفايات، وهواءنا بالغازات، ومياهنا بالملوثات، وبدأ الذباب يجتاح السماء.
العام المقبل نظريا يشكل نهاية مرحلة الحل المؤقت لازمة النفايات، ولا حل جديد في الأفق. اذ انّ الحكومة الحالية قد دخلت فعليا مرحلة السبات بفعل الانتخابات، والحكومة الجديدة لن تشكل الا بعد أشهر، على أقرب تقدير.
وتشكل حكومة جديدة. ومن ثمّ يسلم وزير البيئة الجديد كرة النار التي استلمها من سلفه الى خلفه. حقائب ملغومة ونارية تنتقل من وزارة الى أخرى. وتتوالى الحكومات كي لا نقول العهود، والازمة تنمو، والتلوث يتعاظم.
صار لبنان غرفة صغيرة مكتظة بالناس وبالنفايات. أناس يعيشون ويأكلون وينامون ويتنفسون ويسرحون ويرقصون ويستحمون في النفايات وقرب النفايات في غرفة البلد.
صارت المكبات بغالبيتها تجاور الأماكن السكنية لا بل تحدها. وصار البلد يشبه المزبلة، وساسته بغالبيتهم يتصارعون كديوك، ونحن ننظر إليهم كدجاج.
اما حان الوقت كي نرفع الصوت، ونقول كفى؟ اما حان الوقت كي نقول كفى نقارا وضربا لمقوماتنا ومؤسساتنا الناجحة؟
اما حان الوقت كي نحاسب ونتحوّل الى مواطنين ونحوّل لبنان الى بلد؟ الا نستطيع ان نجعل من الانتخابات محطة تغيير ام على الأقل ومضة في مسيرة التغيير؟
بلا نستطيع ذلك. وكلنا مدعوون الى ذلك.