علاء الدين

10-04-2018 مازن ح. عبّود

في مسرح نيو أمستردام في الجادة الخامسة الذي الحق ببرودواي فنيا في المدينة العظيمة، التقيت علاء الدين من الشرق، الذي ما انفكّ يعيش قصته في ازقة مدينة من الشرق، قديمة ومكتظة. فهو لم يغادر صفحات فقرة من كتاب ألف ليلة وليلة، التي اضافها المستشرق الفرنسي أنطوان جالان. بعد ان استقاها من راوي في مدينة حلب القديمة، التي صارت ركاما اليوم يا ولدي بفعل الحروب على الشرق التي لم ولن تتوقف في المدى المنظور يا ولدي، طالما انّ مازال عندنا ثروات وكنوز وكهوف.

شعرت وانا جالس في مسرح نيو أمستردام بأني كنت اتجوّل في مدينة الالف مئذنة ومئذنة المكتظة بالسكان في مصر. رأيت الغنى الفاحش والفقر المدقع يسيران بتواز في الازقة دون ان يلتقيا في تلك المدينة التي شعرت بانها القاهرة، والتي ما مضى على زيارتي لها أيام.
وما بين الغنى الفاحش والفقر المدقع كان الفراغ، وكانت الخرافات وعلاء الدين والفانوس والوزير والساحر والبساط السحري.
شعرت بانّ المسرح النيويوركي حمل سحر الفاطميين وسلاطينهم وولاتهم وقصصهم وكل الفقراء والرعايا. فقد استثمرت برودواي ووالت ديزني في خرافات الشرق يا ولدي، وصنعتا منها للغرب مسرحيات وافلام كبيرة نالت شهرة كبيرة. فحياتنا مغامرات وقصصنا لم تخرج بعد من دفتي كتاب ألف ليلة وليلة.
لا اعرف لماذا يا ولدي لا تنفك أطياف الشرق تلاحقني حتى الى ابعد الزوايا والأماكن. فكأنّ الشرق قدري. مشرقي انا وعلى جبيني ارتسمت قصص اناسه ووجعهم وعطشهم، وفي عينيّ بحار وزوارق غرقت وقصص ومرارة واناس وعطش للحرية ولحياة أفضل.
كلا ليس علاء الدين قصة كتبت وانتهت. بل انّ كل شاب فقير جداً ويتيم يطوف في ازقة مدائننا الغارقة في الخرافة والجهل بحثا عن مغامرات وخرافات وسحر وجن وعفاريت يحمل علاء الدين في قلبه. ويفتش عن جنيّ يسلم اليه ذاته كي ينقله من الإحباط الى الوهم.
وهمّ علاء الدين ان يصير تاجرا ثريا بمعونة الساحر صديق الوالي. والسبيل الى ذلك استخراج المصباح السحري من كهف العجائب المليء بالمخاطر.
لقد كان مفترضا بعلاء الدين ان يستخرج المصباح، كي يسطو الساحر عليه. ويبقي هو قابعا في الكهف الى الابد.
الا انّ علاء الدين في القصة نجح ودخل الكهف السحري ووجد المصباح. ورفض تسليمه، فصار محاصراً في الكهف. ففرك الشاب الفقير يديه في يأس باحثاً عن مخرج، فخرج الجني من الفانوس السحري. جنيّ كان ملزما بتنفيذ ثلاثة طلبات لصاحب المصباح.
ويعود الساحر ويقبض على المصباح بالمكر، بعد ان حرر الجنيّ الشاب من الكهف. ونهاية، يستعيد علاء الدين مصباحه ويأسر فيه الساحر في طلب أخير.
ويتزوج الشاب الفقير ابنة الوالي الأميرة بدر البدور (بعد أن يحبط محاولة زواجها من الساحر)، ويعيشان في قصر الوالي.
كم من شاب في هذا الشرق يفتش عن فانوس علاء الدين ويسعى للعب أدوار البطولة، وعندما لا يجد الفانوس يقع في الإحباط الذي يجره الى السحر، فيصير قنبلة تهدد البشرية؟
كم حلمنا بعلاء الدين وبفانوسه وببساطه السحري؟
بساط سحري يحملنا بعيدا عن الواقع وعن ازقة مدائننا وبلداننا وواقعها المرير.
كانت مسرحية كورتني بوتر روعة فنية وضع فيها الان مانكن كل قدراته الفنية في صنع موسيقى استثنائية، والمخرج والكوليوغرافر كيسي نيكولاي كل إمكاناته في تحويل قصص الشرق واقعا مسرحيا معاشا بالديكور والازياء يأخذك الى عوالم الحلم في الشرق. فعل نص تشاد بيغيلين فعله. فصار علاء الدين قصة نيويوركية.
ومازال الساحر والوزير والوالي والفقير شخصيات ملاعب مدائننا يا ولدي. ومازالنا ومازال الشرق غارقا في الاكتظاظ والاساطير والغموض وفعل السحر والشعوذات. اننا ننتظر علاء دين من كتاب ألف ليلة وليلة. نأمل ان يأتي على بساطه السحري مع فانوسه والجنيّ كي يحررنا. اذ اننا لم نكتشف بأنّ السحر هو نعمة من فوق نلتمسها، فنتغيّر ويتغيّر الشرق.
وعلى امل ان ندرك ذلك يوما اسلمك الى ملاك الليل كي يعبر بك الى فجر نهار آخر يا ولدي. ونام ولدي وتاه في عوالم علاء الدين. سافر معه على بساطه السحري ورأى مدائن الشرق من فوق. فسحرته عوالمه واسراره. وصار في كل مرة يطلب اليّ ان اتلو عليه قصة من قصص ألف ليلة وليلة.