الزمان

03-01-2018 مازن ح. عبّود

قال لي: "أخبرني يا ابي عن الزمان؟".

فأجبته لو كنت اعلم بالتحديد ما هو يا ولدي لابلغتك. الزمان هو ما يفصل ما بين الشروق والغياب، وما بين الاعتدال والعواصف، وما بين الربيع والشتاء، وما بين الطفولة والشباب، وما بين الشباب والكهولة، وما بين الرعونة والاكتمال، وما بين الحياة والموت.
هو كما يقولون يا صغيري: “السير بشكل لا يقبل الرجوع من الماضي غير المعلوم الى المستقبل غير المحدد".
فلا يمكن ادارك الزمن او تحديده او فهمه الا من بوابة قياس مفاعيله علينا نحن البشر وعلى سائر المخلوقات والعناصر يا ولدي. لا اعلم اذا ما كان بعدا رابعا او انه ليس ببعد ببساطة كما تقول نظريات وعلوم هذا الدهر.
الزمان يفعل فعله بكل ما هو محدود ومخلوق، يفعل فعله بي وبك. يفعل فعله بكل ما يصنع ويولد. فقبل البارحة ولدت والبارحة كبرت واليوم انا معك وغدا سارحل حتما. وما بينهما ردهة او نفق او مسيرة. الا فأنظر الى الزمن كيف فعل فعله في وجهي. الا فأقرأ في مفاعيله على وجهي. اقرأ جيدا ما خربشه على جبيني وعينيّ يا ولدي. الا فأجعله مسيرة ارتقاء فلا يتحوّل الى ردهة انتظار او نفق للموت.
تراني اليوم أقف على ضفاف نهر العمر التمس ان استعيد بعضا من مياهه التي جرت. آمل ان اتمكن من استعادة لحظات لم اعرف ان اتمتع بها، ورفقة اشخاص لم أقدّر حلاوة معاشرتهم وطيبتهم كثيرا. آمل ان استعيد نكهات وطعمات تلاشت وحملها النهر الى البحر اللامتناهي يا ولدي. ولا أستطيع. فيردّ عليّ النهر قائلا استمتع بمياهي طالما انها تجري، واستطعم بحلاوة اناسك طالما هم حنا وأدرك سحر الوجود. انّ المياه الجارية تذهب كي لا تعود.
واتطلع به سائلا عما يخفيه من قطرات. فيجيبني ايضا لا تستغرق في السؤآل عن الغد. فالغد غير مضمون. ومن قال لك بأنك باق على ضفافي حتى هذا الغد الذي تعتبره قريبا. الا فأنظر في مياهي وأبصر وجهك. اغتسل واشرب وافرح يا محدودا ويا مخلوقا. لكن لا تدع هاجسي يسكنك، فلا تعود ترى في عمقي الا الغرق وفي مياهي الا الجريان والرحيل. فتزول قبل ان تزول وتموت قبل ان تموت.
انا الزمان. انا خشبة هذا المسرح الكوني ولكل مخلوق وعنصر على خشبتي دوره المحدود. ارقص رقصة الحياة طالما انت في الحب والحياة. واعلم بانه ليس مهما تعداد اللحظات والدقائق والساعات والاسابيع الاجمالية التي امضيتها وتمضيها على الخشبة، فهذا لا ينفع. ما ينفع هو ان تعطي لوجودك معنى فتدرك انّ نور المسرح ليس الا نافذة الى النور. لا يقاس زمنك بعدد دقائقك وساعاتك الإجمالي بل بعدد ساعاتك ودقائقك الفعلية التي عشتها في الحب والخدمة فاشتعل فيك بالنور وصرت الشمعة".
استكان قليلا، وعاد الصغير يسأل:
" اترى من يتحرر من الزمن يا ابي؟"
فقلت:
"متحرر من الزمان هو من فوق الزمان. متحرر من الزمان والمكان هو من يسودهما بل اوجدهما كي يضبط مسرح الوجود وايقاعاته.
كما يتحرر من الزمان ومن خشبة المكان من تخطاهما. نتخطى الزمان عندما تخلع عنا ثيابنا ونمضي الى الجمال والحقيقة. يستدعينا الجمال الى دنيا الحقيقة والحب. فنذهب الى هناك. وحينئذ يشعر بالخوف والالم والحزن من لم يدرك العيد والفضائل والجمال والمحبة. يشعر بالندم من لم يجعل عمره مسيرة، وردهة زمانه سلما. يتعرى الجميع، فتزهر المحبة في الأجساد التي استضافتها وتصيّرها جمالا من جمال. ويخجل ويندم من كانت حياته نفقا مظلما او غرفة انتظار".
ثمّ احبّ ان يسأل عن غيابي البارحة. فأجبت:
"البارحة في العيد، مضيت ابحث عن العيد يا ولدي في ازقتي وامكنتي. كنت ابحث عن الطفل الذي فيّ، وعن كل الشخصيات الذين كانوا لي العيد. حاولت ان امضي ابعد بقليل من الزينة والمآكل والحلويات. فوجدت جوادا في عينيك وعيون اخوتك وامك. امتطيته وغادرت للحظات الى الجمال. فبان علي العيد بأنوار وجوه من أحببت ومضوا. فاستمتعت بسحر لقياهم للحظات، واشتممت رائحة ماضيّ. انوار وجوههم اعادتني الى عينيك وعيون اخوتك. اعادتني الى الطفل الذي فيك وفي اختك واخيك".
وتابعت:
"اتعلم الان ما يلغي مفاعيل الزمان؟
لا يغلب الزمن ويلغي مفاعيله الا الحب. دعنا نعيش فيه ما استطعنا كي نداهم الوقت ولا يداهمنا، وكي نغتال الخوف ولا يقتلنا. فندرك السلام والجمال قليلا ها هنا".
قلت له كل ذلك، ورحت واياه نتأمل في العام وفي الزمن الذي نريده جديدا.
تطلع الى الخارج فسرّ بالناس تستقبل العام الجديد بالمفرقعات والالعاب النارية. وقد عقدت العزم واياه ان نسعى كي يكون الزمان منيرا. وان لا يكون ردهة انتظار ما بين الولادة والموت. اتفقنا ان نسعى لجعله مسافة مفيدة ومسيرة من الرعونة الى الاكتمال، ومن الانا الى ال "نحن".