تناغم الفدرالي وإقتصادات العالم

07-12-2017 الجمهورية
بروفسور غريتا صعب

جاءت تصريحات جيروم باول الرئيس المعيّن لرئاسة مجلس الاحتياطي الفدرالي لتعطي نفحة من الارتياح للأسواق لا سيما وأنها تمثل الاستقرار والاستمرارية في البنك المركزي الأميركي.
في مناظرة له قدّم باول وجهات نظر شاملة حول السياسة النقدية والاسواق المالية والاقتصاد لهذا العام. وأكد أنّ سياسة الاحتياطي الفدرالي لن تتغيّر في الامور الجوهرية، وإن كانت في بعض نقاطها سوف تكون اقل صرامة من سياسة رئيسة الاحتياطي الفدرالي الحالية.

وفي خطاب باول في النادي الاقتصادي لنيويورك في حزيران ٢٠١٧ صرّح بما معناه حدود السياسة النقدية التي وفقاً له، يمكنها أن تساهم في النموّ على المدى القصير انما لا يمكن الاعتماد عليها في المدى الطويل.

وصرّح امام مجلس الشيوخ في جلسة الاستماع اليه يوم الثلثاء الماضي الى احتمال رفع اسعار الفوائد في الاجتماع المقبل لا سيما أنّ الظروف تدعم ذلك. وهذا ما أكدته جانيت يلين في خطابها يوم الاربعاء عندما قالت إنها تتوقع أن يواصل الفدرالي رفع اسعار الفوائد تدريجاً مطمْئِنة المشرّعين الى أنّ الفدرالي سوف يحرص على عدم خنق النموّ لا سيما في ظلّ التخفيضات الضريبية المنتظرة.

وهكذا تكون شهادة يلين تعزيزاً لما قاله جيروم باول في جلسة استجوابه في مجلس الشيوخ. والواقع أنّ معظم خبراء الاقتصاد يتوقعون رفع مجلس الاحتياطي الفدرالي لأسعار الفوائد في كانون الاول للمرة الثالثة هذا العام. وفي مداخلتها ظهرت يلين متفائلة بوجه عام مع اقتصاد حقّق نموّاً بمعدل سنوي يزيد عن ٣ في المئة في الفترة ما بين تموز وايلول ٢٠١٧ ومع معدلات بطالة هي الادنى منذ 17 عاماً إذ حققت مستويات متدنّية بلغت ٤،١٪ مقارنةً مع نموّ في القوة العاملة وتحسّن في انتاجية العمل.

انما وعلى ما يبدو فإنّ يلين قلقة للغاية ازاء استدامة الدين الاميركي في مساره، واعتبرت أنه امر مقلق للغاية لا سيما مع خطط خفض الضرائب التي سوف تزيد من عجز الميزانية بما مقداره ١،٥ تريليون دولار خلال العقد المقبل، ما دفعها للقول إنّ «ارتفاع الدين العام يجب أن يبقي الناس «مستيقظين طوال الليل»».

وكانت يلين دعت الى الانصاف في قانون الضرائب في ضوء تزايد اللامساواة، وأبرز ما قالته جاء مقلقاً للغاية لا سيما مع زيادة تفاوت الدخل في البلد مع الخطط الضريبية المنتظرة أبرزها التجاهل الكبير لصالح الأميركيين الاغنياء.

لذلك نرى تناغماً كبيراً بين سياسة يلين الحالية والتوقعات مع سياسة باول الجديدة في الفدرالي الاميركي، وظهر ذلك جلياً في حزيران الفائت في أمور عدة تُعتبر مفصلية في الاقتصاد الاميركي لا سيما من حيث النموّ الاقتصادي العالمي إذ إنّ باول قال «إنّ سياسة مجلس الاحتياطي الفدرالي لا تسير بمعزل عن غيرها ويجب أن تعود بالنفع على جميع اقتصادات العالم.

أما من ناحية الإصلاح الضريبي فإنّ «خفض الضرائب بمقدار ١ في المئة سوف يرفع الناتج المحلي على مدى فترة سنتين او ثلاث» كما يقول. وللعلم إنّ خفض الضرائب يدخل في صلب سياسة ترامب الانتخابية ولكن حسب الديمقراطيين سوف يشجّع ويزيد من عدم المساواة بين الطبقات الاجتماعية لصالح الأغنياء.

وقد يكون المقلق في عدم التناغم هذا هو أنّ ترامب مصرّ في سياسته على عملية خفض الضرائب دون الاخذ بالاعتبار أيٍّ من الامور التي قد تنتج عن ذلك. وحسب الاقتصاديين إنّ خفض الضرائب بنسب معقولة قد يزيد حتماً الناتج المحلي لا سيما من ناحية الدفع الذي سوف يعطيه للاقتصاد بشكل عام، علماً أنّ خبراء الاقتصاد يعتبرونه تغييراً شاملاً في كل ما يخص الرعاية الصحية.

والاكيد أنّ قانون الضرائب الجمهوري سيؤدّي الى تفاقم عدم المساواة في الدخل في اميركا ويتعارض مع الحجج التي تقول إنّ تخفيض الضرائب على الشركات الكبرى سوف يعود بالنفع على الجميع. هذا وغالبية الاميركيين يعتقدون بأنّ الضرائب يجب أن تزيد على الشركات الكبرى وعلى اصحاب المداخيل المرتفعة لكنّ قانون الضرائب الجمهوري لا يفي بالغرض رغم أنّ ترامب وعد بذلك.

على الصعيد العالمي لا يعني ذلك أنّ الولايات المتحدة تخلّت عن فكرة فرض ضرائب على الشركات متعدّدة الجنسيات بشكل صحيح وهذا سيسرّع الاتّجاه نحو تخفيض الضرائب المفروضة على الشركات في انحاء العالم ما يعني أنّ مكاسب العولمة سوف تتوجّه اكثر نحو الأثرياء، وهذا عكس ما نحتاج اليه في الاقتصادات المتقدّمة والتي في طور النموّ.

ولكنّ ترامب يرى أنّ المكاسب ستكون اكثر بكثير وللجميع كما أنّ التخفيضات الضريبية التي وعد بها ستزيد معدل النموّ في الاقتصاد الاميركي. هذا ويبقى الخوف من الحرب التجارية مع منافسَيه مثل الصين والمكسيك، فحسب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يمكن لإدارة ترامب أن تثير هكذا امور لا سيما مع الرسوم المحتملة التي يمكن أن يفرضها على الصين والتي قد تقيّد الى حدّ بعيد النموّ العالمي وترفع احتمالات الصراع الجيوبوليتيكي لا سيما وأنّ جذور الكساد العظيم في العام ١٩٢٠، والحرب العالمية الثانية كانت اسبابها في الحماية هذه.

الامر الاكيد اقتصادياً أنّ رفع الفوائد الاميركية اليوم يأتي في ظروفِ تضخّم ضمن المعقول وقد تكون دون المستوى المرجو انما أيّ ارتفاعٍ غير متوقع في نسب التضخّم الاميركي قد تضطر مجلس الاحتياطي الفدرالي لرفع اسعار الفوائد بشكل متواصل ما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، الامر الذي سوف يضرب حتماً الأسواق الناشئة والشركات والحكومات التي ترزح تحت الديون.

لذلك تبدو الامور اكثرَ تعقيداً ممّا حاول باول إظهاره في جلسة الاستماع اليه وقد تكون تشعّبات هذه العمليات ابعد بكثير من حدود الولايات المتحدة الاميركية وهذه أمور تحتاج اقتصاديين ملمّين بجميع نواحي العملية الاقتصادية وقد لا يكون باول هو الشخص المناسب رغم انه سبق وقال إنّ «سياسة الفدرالي لا تسير بمعزل عن غيرها ويجب أن تعود بالنفع على جميع اقتصادات العالم».

بروفسور غريتا صعب - الجمهورية