كذبة اسمها "سلاح حماس"

07-12-2017 الراي
خيرالله خيرالله

حيث يحلّ السلاح غير الشرعي، يحلّ الخراب. عندما تعلن «حماس» عبر احد قيادييها ان سلاحها «خطّ احمر»، فهي تعني بذلك انّ كلّ ما تريده من المصالحة الفلسطينية هو دفع رواتب الموظفين العاملين لديها في غزّة وليس طيّ صفحة الماضي وتجاوز المرحلة السوداء التي مرّ فيها الشعب الفلسطيني.

هناك صفحة من المفروض طيّها بكلّ ما فيها من سيئات ودماء بريئة اهدرتها «حماس» خدمة لمشروع لا أفق له، معروف من يقف خلفه، مثلما انّه ثابت انّ إسرائيل كانت المستفيد الوحيد منه.

من سوء حظ «حماس» أن السلطة الوطنية الفلسطينية التي يرئسها محمود عبّاس (أبو مازن) ليست مستعجلة على المصالحة، بل ان المصالحة ليست أولوية بالنسبة اليها. هذه السلطة التي تعاني بدورها من مشاكل كبيرة ليست على استعداد لأخذ غزّة وهمومها، التي لا تنتهي، على عاتقها. على العكس من ذلك، تبحث هذه السلطة عن همّ بالناقص خصوصا بعدما وجدت صيغة للتعايش مع الاحتلال الإسرائيلي تقوم على التنسيق الأمني الذي يؤمّن المصالح المشتركة لجانبين معروفة اهداف كلّ منهما.

لعلّ العامل الوحيد الذي يلعب دورا في خدمة المصالحة في المدى الطويل، هو العامل المصري. فكلّما مرّ يوم، يتأكّد ان هناك حاجة الى حماية الامن المصري في سيناء. لا حاجة الى التذكير بالجريمة الأخيرة التي ارتكبها ارهابيو «داعش» والتي ذهب ضحيتها ما يزيد على ثلاثمئة مواطن كانوا في مسجد الروضة في احدى بلدات شمال سيناء.

يظلّ امن سيناء مرتبطا الى حد كبير بما يجري داخل غزّة التي ازدهر فيها الإرهاب في عهد «حماس» في ظلّ فوضى السلاح والاقتصاد القائم على التهريب عبر الدهاليز والانفاق التي حفرت على طول الحدود بين القطاع والأراضي المصرية في سيناء.

ليس سرّا الدور الذي لعبته «حماس» في خدمة الاخوان المسلمين المصريين الذين أرادوا الاستيلاء على السلطة في مصر. ليس سرّا أيضا الدور الايراني في تسليح «حماس» وفي دعم الاخوان المسلمين عبر شبكات لـ «حزب الله» كانت موجودة في مصر. تظلّ «حماس» جزءا لا يتجزّأ من الاخوان المسلمين الذين يشكلون حاضنة لكل التنظيمات المتطرّفة التي خرجت من تحت عباءتهم، بدءا بـ «القاعدة» وصولا الى «داعش» واخواته واخوانه...

هناك واقع لا يمكن ان يستمرّ في قطاع غزّة الذي لعبت «حماس» دورا في استخدامه من اجل تعطيل المشروع الوطني الفلسطيني في ظلّ ممارسات تصبّ كلّها في تقديم الشعب الفلسطيني للعالم بصفة كونه شعبا لا يريد السلام. المؤسف ان المجتمع الدولي صدّق ذلك واقتنع بنظرية ارييل شارون القائمة على مقولة «لا وجود لشريك فلسطيني» يمكن التفاوض معه.

ليس امام مصر سوى وضع حد لهذا الواقع الذي تسعى «حماس» الى فرضه. البداية تكون بالانتهاء من فوضى السلاح، أي حصر السلاح بالسلطة الوطنية الفلسطينية والمؤسسات التابعة لها. من يتحدّث عن سلاح «حماس» بصفة كونه «خطّا احمر»، انّما لا يريد للوضع الفوضوي في غزّة ان يصبح وضعا طبيعيا. من يظنّ ان سلاح «حماس» في غزّة هو سلاح «مقاومة» لا يريد الاعتراف بانّ هذا السلاح لم يجلب سوى الخراب على الغزاويين خصوصا وعلى الفلسطينيين عموما. تماما مثل سلاح «حزب الله» في لبنان الذي لا هدف له سوى تحويل لبنان الى بلد بائس والى ورقة في خدمة المشروع التوسّعي الايراني.

من يستعرض كلّ ما قامت به «حماس» منذ قيامها يكتشف ان هدفها الوحيد كان خدمة إسرائيل والاحتلال. من يعمل على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني عبر نشر ثقافة الاخوان المسلمين، بكلّ ما فيها من تخلّف، انّما يخدم إسرائيل على طريقته. ما خسارة إسرائيل عندما يكون مسلّح ملثّم من «حماس» او «الجهاد الإسلامي» صورة الشعب الفلسطيني في العالم. من ينشر البؤس في غزّة ويبرّر الحصار الإسرائيلي لها، انّما يجعل الشعب الفلسطيني مجرّد سلعة تتاجر بها هذه الجهة الإقليمية او تلك. من يتذكّر كيف ارادت تركيا المتاجرة بفكّ الحصار عن غزّة في العام 2010؟ من كان المستفيد من التحركات التركية غير المدروسة غير إسرائيل؟

لا حاجة بالطبع الى تعداد النتائج الكارثية التي تسببت بها صواريخ «حماس» التي اطلقت من غزّة. هناك احياء في القطاع لا تزال مدمّرة منذ حرب نهاية 2008 وبداية 2009. وقتذاك، كان في استطاعة إسرائيل القضاء على قيادة «حماس»، لكنّها أظهرت حرصا شديدا على هذه القيادة، كونها تعرف انّها المستفيد الاوّل من كلّ صاروخ تطلقه «حماس» او «الجهاد».

هناك الآن قيادة جديدة لـ «حماس»، وان لم تكن كلمة جديدة تعني عمليا حصول تغيير جذري في العقلية الاخوانية التي تهيمن على الحركة. يُفترض في هذه القيادة امتلاك الحدّ الادنى من الوعي واستيعاب انّ لا مصالحة فلسطينية حقيقية في ظلّ سلاح «حماس». من يتحدّث عن ان السلاح «خطّ احمر» يوفّر مبرّرا للذين يبحثون عن طريقة لتفادي المصالحة والاعباء المترتبة عليها. وما اكثر هؤلاء في أوساط السلطة الوطنية!

الاهمّ من ذلك كلّه ان الامن المصري في الميزان. ان يكون الوضع في غزّة طبيعيا، أي الا يكون هناك سلاح آخر غير سلاح الشرطة الفلسطينية، حاجة فلسطينية ومصرية في آن. بكلام أوضح، ان استمرار فوضى السلاح في غزّة يعني ان القطاع سيبقى يشكّل تهديدا للامن المصري. وهذا امر لا يمكن ان تسمح به مصر بايّ شكل من الاشكال، خصوصا بعد الذي حصل اخيرا في مسجد الروضة في سيناء.

لم يأت سلاح «حماس» سوى بالويلات على الشعب الفلسطيني. في السنة 2017، لم تعد مصر قادرة على تحمّل الإرهاب والقواعد التي ينطلق منها الارهابيون او التي يحصلون منها على دعم. هذا ما يفترض في «حماس» ان تفهمه. ما كان مقبولا في الماضي لم يعد مقبولا الآن. ولعلّ اوّل ما هو غير مقبول ان تكون هناك اكثر من سلطة واحدة في غزّة. لا معنى لتولي حكومة رامي الحمدالله مهماتها ومسؤوليات القطاع من دون سيطرة كاملة على الامن. فوق ذلك كلّه، هل لدى القيادة الجديدة لـ«حماس» الجرأة كي تسأل نفسها ما الذي جنته من السلاح؟

الأكيد ان وضع غزّة لم يتحسّن منذ الانسحاب الإسرائيلي في صيف 2005. مضت 12 سنة على خروج إسرائيل من غزّة، وذلك بناء على حسابات خاصة بها. لم يستخدم سلاح «حماس» سوى لتبرير الحصار الاسرائيلي من جهة وقمع الفلسطينيين وتغيير نمط حياتهم من جهة أخرى. هناك بكل بساطة كذبة كبيرة استمرّت اكثر مما يجب. كذبة من كلمتين اسمها «سلاح حماس». تسبب هذا السلاح بما يكفي من المصائب والويلات للفلسطينيين. ليست مصر مجبرة على تحمّل وجود هذا السلاح والنتائج المترتبة على هذا الوجود، لا لشيء سوى لان للصبر المصري حدودا أيضا.
خيرالله خيرالله - الراي