القرار يذكّر باتفاق القاهرة واجتماعات لوزان وجنيف اثناء الحرب اللبنانية

06-12-2017 شارل أيوب

الديار

اجتمع مجلس الوزراء اللبناني في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعاد الرئيس سعد الحريري عن استقالته واصر على قراءة البيان الصادر عن مجلس الوزراء بدلا من ان يعلنه وزير الاعلام، وذلك لكي يؤكد رئيس الحكومة ان قرار النأي بالنفس قد تم اتخاذه وانه هو الذي أصر على هذا المبدأ ووافق معه مجلس الوزراء بالاجماع وبموافقة رئيس الجمهورية.
قرار النأي بالنفس هو اخطر قرار يتخذه لبنان منذ الصراع العربي الإسرائيلي، لانه دقيق للغاية وهنالك صعوبة كبيرة بتنفيذه، خاصة وان مجلس الوزراء اللبناني لم يضع آلية او خطة فعلية لتنفيذ النأي بالنفس، باستثناء موافقة كافة الأطراف المشتركة في الحكومة وهي تمثل معظم او أكثرية الأحزاب والفعاليات في لبنان، باستثناء حزب الكتائب.
واذا كان اصدار مجلس الوزراء قرار النأي بالنفس عن الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية واذا كان مجلس الوزراء قد اعلن احترام الدستور والتأكيد عليه وعلى ان لبنان، وفق المادة الثانية من الدستور هو لبنان العربي هوية وانتماء، وهنا قبل ان نكمل حديثنا عن المادة الثانية من الدستور لا يمكن الا ان نلفت النظر ان لبنان هو عربي الهوية والانتماء، في حين ان لبنان هو عربي الانتماء، اما الهوية فتاريخيا ليست صحيحة، الا منذ 1400 سنة وبقيت مستمرة 500 سنة حتى اصبح لبنان عربي الانتماء وبقيت هويته خاضعة لحضارة 6 آلاف سنة.

بيان مجلس الوزراء والنأي بالنفس

انما نعود الى بيان مجلس الوزراء اللبناني الذي قرر النأي بالنفس وعدم الدخول في الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية كي تبقى علاقات لبنان مع الدول العربية علاقات جيدة وتعاون.
اذا كان الافرقاء اللبنانيون قد وافقوا على مبدأ النأي بالنفس فان مجلس الوزراء حصر الموضوع بالاطراف اللبنانية دون ان ينظر الى الجغرافيا السياسية في المنطقة والاقليم، لان قضية النأي بالنفس ليست داخلية فقط، بل ان لبنان يتأثر بـ 3 دول قوية وذات نفوذ، أولها العدو الإسرائيلي، فمن يضمن في ظل سقوط الأمم المتحدة ومجلس الامن وعدم فعاليتها، وفي ظل سقوط الجامعة العربية، وسقوط امس مجلس التعاون الخليجي، ان لا تقوم إسرائيل بزرع خلايا في لبنان او اجتياح ارضه او التدخل في شؤونه الداخلية من خلال مخابراتها وجهاز الموساد او انشاء علاقة سرية مع طرف لبناني او حزبي في تنفيذ فتنة او مؤامرة داخل لبنان او اختراق الساحة اللبنانية من خلال دولة أوروبية او الولايات المتحدة او من خلال دولة خليجية، فكيف يمكن تطبيق النأي بالنفس من العدو الإسرائيلي، كذلك كيف يمكن تطبيق النأي بالنفس من قبل السعودية، وهي دولة إسلامية سنيّة وهابية يربطها مباشرة بالطائفة السنيّة علاقة تاريخية منذ تأسيس المملكة وحتى اليوم، أي منذ 90 سنة وطوال تاريخ لبنان كانت السعودية تتدخل عبر الطائفة السنية في لبنان وتؤثر فيها. ولمرة واحدة انكفأ النفوذ السعودي عن الطائفة السنيّة عندما قاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الثورة العربية في مصر، فحصل على نفوذ سنّي كبير في لبنان، لكن عادت السعودية بعد سنة 1970 اثر موت الرئيس عبد الناصر في استعادة كامل نفوذها السنّي في لبنان والمسؤولون السنيون ودار الفتوى وعلماء السنّة هم في زيارات دائمة الى السعودية، كما ان السعودية تؤثر عبر علماء السنّة ودار الفتوى في لعب دور واختيار رئيس الحكومة السنّي في لبنان. فمن الذي سيجعل المملكة العربية السعودية لا تتدخل في لبنان، وما هي الضمانة؟ ومن يكفلها بأن تنفذ النأي بالنفس عن لبنان؟
واذا كان الرئيس سعد الحريري قد اعلن النأي بالنفس، فهل يكون قراره دائما في بيروت ام عليه التنسيق مع المملكة العربية السعودية وهو الذي نشأ فيها ولديه مصالح وشركات ورثها من الرئيس الراحل رفيق الحريري والده. كما انه حتى الامس كانت السعودية، وسنرى خلال شهرين وحد اقصى 3 اشهر، ان الرئيس سعد الحريري سيزور المملكة العربية السعودية.

بهاء الدين الحريري اقرب المقربين لمحمد بن سلمان

ومن السعودية، اصبح بهاء الدين الحريري اقرب المقربين الى الديوان الملكي السعودي وولي العهد محمد بن سلمان، في حين ان السيد بهاء الحريري ارسل موفدين الى القيادات اللبنانية يبلغهم فيه انه قرر العمل في السياسة اللبنانية، وانه يستعد ان يكون رئيس حكومة لبنان، ولم يحصل على تأييد القيادات اللبنانية، باستثناء قيادة تشكل فاعلية سياسية في لبنان.

اما بالنسبة لإيران

واذا كنا طرحنا العدو الإسرائيلي وعدوانه او تدخله في الشؤون اللبنانية واختراقه عبر اجهزته الأمنية او اطراف لبنانية من خلال دول أوروبية او دول خارجية لاقامة حلف سري معها، وعدم قدرة مجلس الامن او الأمم المتحدة او الجامعة العربية او اتحاد التعاون الخليجي عن منع ذلك، وفي ظل الترابط المباشر بين المملكة العربية السعودية والطائفة السنيّة في لبنان، وسؤالنا من يضمن عدم النأي بالنفس من قبل العدو الإسرائيلي او الدولة العربية، أي المملكة العربية السعودية.
لننتقل الى ايران، حيث ان العلاقة بين حزب الله وسوريا وايران بدأت سنة 1983 ومستمرة حتى عام 2017، فمن الذي سيطلب من ايران ان لا ترسل دعما ماليا وعسكريا الى حزب الله الذي يواليها، واذا كانت الطائفة السنيّة في لبنان توالي الحاكم باسم الله أي الملك السعودي وفق مفهوم ديني فان حزب الله يوالي ايران عبر ولاية الفقيه، ودعمه المالي من ايران وسلاحه من ايران وجزء من سلاحه من سوريا، فمن الذي سيقول الى ايران ان تنأى بنفسها عن حزب الله. وكيف يستطيع حزب الله الاستمرار في دعم مجاهديه ضد إسرائيل او ضد التكفيريين من دون دعم عسكري ومالي من ايران. كذلك كيف يستطيع حزب الله الحصول على صواريخ «كورنت اس» المضادة للدبابات والدروع لضربها في حال دخول دبابات إسرائيلية الى لبنان، ما لم تزوّده سوريا بهذه الصواريخ التي تشتريها من روسيا، فكيف سيكون النأي السوري بالنفس عن دعم حزب الله.

من يضمن الحدود السورية ـ اللبنانية؟

ثم ان السؤال هو من الذي يضمن الحدود اللبنانية ـ السورية برياً، وهل تم رسم الحدود بين لبنان وسوريا كي ينتشر الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية ـ السورية ام ان رسم الحدود اللبنانية ـ السورية كان موضع خلاف وان سوريا واطرافاً لبنانية طلبت البدء برسم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة لان المشكلة الكبرى هي في رسم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة، وبالنتيجة لم يتم رسم الحدود بين لبنان وسوريا.
واذا كان حزب الله يرسل قواته الى سوريا فما هي قوة الجيش الذي سينتشر على الحدود اللبنانية ـ السورية. ثم ان اعلان الرئيس سعد الحريري بالصوت العالي ان مجلس الوزراء قرر النأي بالنفس عن الصراعات العربية، ونحن نعرف ان اكثر من 10 آلاف مقاتل من حزب الله يقاتلون التكفيريين والمؤامرة على سوريا، فهل تم وضع توقيت لتنفيذ النأي بالنفس ومتى. وهل سينسحب حزب الله من سوريا فور اعلان مبدأ النأي بالنفس من مجلس الوزراء، ام يستمر في قتاله الى جانب الجيش العربي السوري ضد التكفيريين والإرهابيين.

اللاجئون الفلسطينيون

كما ان هنالك نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان، والازمة الفلسطينية تزداد حدّة من خلال الصراع بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، وان إسرائيل ترفض كليا مبدأ العودة، فكيف ينأى لبنان بنفسه عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في ظل وجود نصف مليون فلسطيني على ارضه، كذلك في ظل غياب الأمم المتحدة وعدم فعاليتها وعدم قدرتها على حل الحرب الليبية والحرب اليمنية والحرب العراقية ومشكلة كردستان مع الحكومة الاتحادية العراقية، وعجز الأمم المتحدة عن حل ازمة الحرب في سوريا، وبالتالي فالامم المتحدة عاجزة عن إعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري من لبنان الى سوريا، فكيف يتم النأي بالنفس من قبل سوريا عن موضوع اللاجئين في لبنان. واذا كان اللاجئون السوريون قد نزحوا الى لبنان اثر الحرب في سوريا، فكيف ينأى لبنان بنفسه عن معالجة قضية وجود مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيه، في الوقت الذي يرفض رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري أي اتصال مع سوريا وهو يقاطعها لا بل لا يعترف بالنظام السوري، ولا يعترف بقيادة الرئيس بشار الأسد، فكيف يتم النأي بالنفس من قبل سوريا عن لبنان وكيف يتم النأي بالنفس من لبنان تجاه سوريا، ومن يحدد من هم اللاجئون في لبنان الذين يودّون العودة الى سوريا ومن هم اللاجئون الى لبنان وهم ضد النظام في سوريا ولا يريدون العودة الى سوريا، لانهم يعتبرون ان المخابرات السورية ستعتقلهم وان مصيرهم خطير.

ترامب وإمكانية إعلانه القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل

اما بالنسبة للنأي بالنفس عن الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية، فهو عنوان جيد وشكليا مقبول، لكن فعليا كيف يمكن تطبيقه؟ فاذا اعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم ان مدينة القدس المحتلة هي عاصمة إسرائيل، فان المخيمات الفلسطينية ستنتفض انتفاضة كبرى في لبنان، ونحن نتحدث عن لبنان فقط وليس عن الانتفاضة العربية والاسلامية على مدى العالم كله، ثم سيقوم حزب الله وحركة امل بمظاهرة مليونية، ثم ستقوم الطائفة السنيّة وربما مسيحيون معهم بمظاهرة مليونية أيضا على الساحة اللبنانية، وذلك ضد الولايات المتحدة وضد أي دولة عربية تبقي على علاقاتها المتحالفة مع الولايات المتحدة.
وهنا السؤال، كيف سيتم النأي بالنفس بعد يوم الأربعاء أي اليوم، اذا اعلن الرئيس الأميركي ترامب مدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فيما ستشتعل الساحة اللبنانية كلها من المخيمات الفلسطينية الى الساحات الإسلامية سنّة وشيعة، والى مسيحيين يريدون الحفاظ على الآثار المسيحية في القدس، وعلى قبر المسيح وكنيسة القيامة. وعندها من يضمن النأي بالنفس عن ضرب المصالح الأميركية في لبنان، ومن يضمن النأي بالنفس عن اعلان التحالف مع دول عربية او ايران التي تحارب اميركا مباشرة، كذلك من يضمن النأي بالنفس من القيام بمظاهرات ضد سفارات دول عربية متحالفة مع اميركا، ورب قائل ان الجيش اللبناني سيحافظ على المصالح الأميركية وسفارات الدول العربية المتحالفة مع اميركا، وعندها ستقع الفاجعة الكبرى، لان قمع الجيش اللبناني لأي مظاهرة مليونية يعني وقوع مجزرة وايقاع الجيش اللبناني في اكبر مأزق كبير تتعرض له المؤسسة العسكرية اللبنانية إضافة الى الأجهزة الأمنية اللبنانية، لكن وضع الجيش سيكون صعبا جدا للغاية اذا طلبت منه الحكومة منع أي مظاهرة تتوجه ضد المصالح الأميركية.

من يمنع ضرب المصالح الاميركية؟

وهنا اذا كانت اميركا لم تقم بالنأي بالنفس عن الصراع الصهيوني العربي والصراع الصهيوني الفلسطيني، وقامت بالاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فمن الذي يستطيع الطلب من الولايات المتحدة النأي بالنفس عن هذا القرار لانه سيكون زلزالا في الدول العربية والإسلامية وخاصة في لبنان، في ظل وجود نصف مليون لاجئ فلسطيني ومليون ونصف لاجئ سوري إضافة الى الطوائف الإسلامية الشيعية والسنية في لبنان، وعندها كيف سيكون النأي بالنفس. هل سيقبل أي مسلم لبناني بوجود مصالح أميركية فيما الولايات المتحدة تقرر إضافة الى ان وعد بلفور أدى الى اغتصاب فلسطين، وان الانتداب البريطاني طرد الفلسطينيين وشرّدهم من ارضهم وسلم الصهيونية فلسطين، ثم ان الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية قد أصبحت مدنه اكبر من المدن الفلسطينية، ثم ان اميركا تزوّد إسرائيل بكافة الأسلحة لكي تبقى اكبر قوة عسكرية تواجه كل القوى العربية مجتمعة. والان يأتي الرئيس الأميركي ترامب ليعترف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فمن الذي يستطيع منع الفلسطيني او اللبناني من ضرب المصالح الأميركية على الساحة اللبنانية او ضرب أي حزب له علاقة بالولايات المتحدة.
ويبقى السؤال الأخير، من الذي يضمن ان تقوم الولايات المتحدة بالنأي بالنفس عن لبنان وفلسطين والشعب العربي والإسلامي.

النأي بالنفس قرار لفظي

النأي بالنفس قرار لفظي شكلي وليس عملياً ويذكّر باتفاق القاهرة ومؤتمري لوزان وجنيف اللذين انعقدا في سويسرا برئاسة الرئيس الراحل سليمان فرنجية وحضور كبار قادة الأحزاب اللبنانية وفشل كل الحوار هناك.
نحن نريد التفاؤل في ظل قرارات الحكومة، ونحاول المبالغة في التفاؤل، لكن لا نجد سبيلا الى ذلك، بل نجد ان الذي حصل هو ترقيع للتسوية السياسية لكي تستمر بضعة اشهر في ظل تبني فرنسا للحفاظ على لبنان واجرائها اتصالات مع واشنطن وروسيا ودول عربية وايران وحتى مع سوريا، لكن الى أي مدى تستطيع فرنسا الحفاظ على مبدأ النأي بالنفس؟