أزمة الإدارة الأميركية وتداعياتها علينا

05-12-2017 الجمهورية
رياض طبارة

بدأ الخناق يضيق بسرعة على الرئيس دونالد ترامب نتيجة تحقيقات المحقق الخاص، روبرت مولر، حول إمكانية التواطؤ بين حملة ترامب الرئاسية وروسيا، بهدف إنجاح ترامب في الانتخابات على حساب منافسته هيلاري كلينتون، وحول كل ما ينتج مباشرة عن هذا التحقيق، بما في ذلك شهادات الزور، ومحاولات عرقلة العدالة، وإخفاء أدلة، وتخويف الشهود.

ففي خلال ستة أشهر من التحقيق، تعتبر قياسية، تَوصّل مولر إلى اتّهام بول مانافورت، رئيس حملة ترامب لمدة قصيرة، وشريك أعمال مانافورت، ريك غايتس، بـ12 تهمة، تشمل تبييض الأموال، والتهرب من الضريبة على أموال حصلا عليها نتيجة للعمل كمستشارين لحكومة أوكرانيا المخلوعة والصديقة لروسيا.

وبالإضافة، إعترف جورج بابادوبولوس، أحد مستشاري ترامب للسياسة الخارجية خلال حملته الإنتخابية، باتصاله بالسلطات الروسية بخصوص نشر معلومات تضرّ بحملة هيلاري كلينتون.

لعلّ الأهم في هذه التحقيقات هو أنها وصلت إلى أقرب المقربين من ترامب، بما في ذلك أعضاء من أسرته. أهم المتورّطين حتى اليوم هو الجنرال مايكل فلين، أحد أول مساندي ترامب في حملته الإنتخابية، وعضو بارز في فريق حملة ترامب الإنتخابية، وأول مستشار للأمن القومي في إدارة ترامب (إضطر للاستقالة بسبب كذبه على نائب الرئيس مايك بنس حول تورّطه مع جهات أجنبية بما في ذلك روسيا).

وقد وُجّهت إليه نهار الجمعة الفائت تهمة الكذب على مكتب التحقيق الفدرالي (إف بي آي)، ما يعرّضه للسجن مدة تصل إلى خمس سنوات. في اليوم ذاته إعترف فلين بالتهمة الموجّهة إليه، وقد بدأ فعلاً بالتعاون مع المحقق مولر بإعطائه معلومات عن تواطؤ مقرّبين من ترامب مع الروس خلال الحملة.

أكثر المتضرّرين مباشرة من اعترافات فلين، ومن المعلومات التي ظهرت حتى الآن، هما دونالد ترامب جونيور، الإبن البكر للرئيس، وجارد كوشنر، كبير مستشاريه وزوج ابنته المفضّلة إيفانكا.

وتُظهر التحقيقات السابقة أنّ هذين الشخصين كانا قد اجتمعا تكراراً مع عملاء روس خلال الحملة. ويعتقد كثيرون من المعلّقين في واشنطن أنّ تحقيقات مولر ستصِل، آجلاً أم عاجلاً، إلى إظهار وجود تواطؤ بين ترامب والروس لإسقاط هيلاري كلينتون في الإنتخابات الأميركية وإنجاحه، ما قد يوصِل ترامب إلى نهاية سريعة لعهده.

أمام ترامب حلّان لهذه الحالة الخطرة التي تواجهه: الحلّ الأول هو أن يتقبّل مسيرة التحقيق ويدافع عن نفسه بالتعاون مع بعض من أهمّ مكاتب المحاماة الأميركية، وفي أسوأ الحالات إصدار عفو عن كلّ المتورطين من أصدقائه، بما في ذلك هو شخصياً.

وهذا، بحسب الكثيرين، لا يتعارَض مع الدستور الأميركي والقوانين المرعية الإجراء، وإن كان يتعارض طبعاً مع الأخلاقيات التي تنتظرها الغالبية الكبرى من الأميركيين. الضرر الذي سيطال رئاسته، ولربما أيضاً حزبه الجمهوري، سيكون كبيراً في هذه الحال، خصوصاً أنّ شعبيته تدنّت إلى نحو 35 في المئة في الوقت الحاضر، وهذه هي أقل نسبة وصل إليها رئيس أميركي في هذه المرحلة من رئاسته.

أمّا الحلّ الثاني فيتلخّص بإقالة المحقق الخاص مولر، وإغلاق التحقيق نهائياً، بأمر رئاسي. وهذا أيضاً لا يتعارض مع الدستور الأميركي (الرئيس ريتشارد نيكسون فعلَ ذلك سابقاً بالنسبة للتحقيق في واترغايت)، ولكنّ الضرر للرئاسة سيكون هنا أيضاً كبيراً جداً كما حصل بالنسبة لنيكسون الذي اضطرّ في النهاية إلى الإستقالة.

يقول ألن ليكتمان في كتابه «القضية من أجل الإتهام» (The Case for impeachment)، الذي تَنبّأ بانتخاب ترامب ومن ثم محاكمته من قبل الكونغرس، إنّ نبوءته الأولى تحقّقت وهو بانتظار أن تتحقّق الثانية.

كيف ستتأثر السياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط التي أعلنتها الإدارة الأميركية أخيراً، والتي تطال دول المنطقة مباشرة، خصوصاً إيران والميليشيات المتحالفة معها؟

السياسة الأميركية هذه تتلخّص بمواجهة تصعيدية مع إيران، وبالتالي مع «حزب الله»، بدءاً بعقوبات متزايدة على الإثنين معاً. بالنسبة لإيران الهدف الأميركي المعلن هو ذات شقّين: الأول إيقاف تطور نظام الصواريخ البالستية الإيرانية ووضعها تحت مراقبة شديدة، والثاني فتح ملفات المنطقة التي تعتبر أميركا أنّ إيران متورّطة بها، أي اليمن والعراق وسوريا ولبنان (يعني «حزب الله» بشكل أساسي) بهدف الوصول إلى حلّ الميليشيات التابعة لها، أو على الأقلّ تحييدها من هذه الصراعات.

ولكي يتم تنفيذ هذه السياسة (وغيرها) بشكل «فعّال»، لا بد من إنهاء سياسة ريكس تيلرسون الناعمة واستبدالها بسياسة أكثر اندفاعاً وشراسة، ما قد يعني استبدال تيلرسون برئيس وكالة الإستخبارات المركزية (سي آي إي) الحالي، مايك بومبيو، المعروف بتشدّده المُفرط تجاه إيران وفي السياسة الخارجية الأميركية بشكل عام.

المنطقة إذاً أمام احتمالين يتسابقان مع الزمن. الإحتمال الأول هو بقاء ترامب لمدة طويلة، مع فريقه المتشدّد المنتظر، تتصاعد خلالها المواجهة مع إيران و«حزب الله» بسرعة، وتزداد العقوبات إلى أن تصل مثلاً إلى وَضع الحرس الجمهوري، وكل مؤسّساته الإقتصادية، في خانة المنظمات الإرهابية، وبالتالي فَرض عقوبات متشدّدة على هذه المؤسسات بالجملة، ما يعني إعلان حرب إقتصادية شاملة على إيران، وهذا ما تفادَته أميركا حتى اليوم. وفي هذه الحال فإنّ ردّ إيران سيكون قاسياً أيضاً وقد تصل الأمور إلى اهتزازات وعدم استقرار جدي في المنطقة.

أمّا الاحتمال الثاني فهو أن تصل الأمور بالإدارة الأميركية بسرعة إلى بدء إزاحة ترامب مثلاً، ما سَيشلّ قدرتها في كل الميادين لبعض الوقت، بما في ذلك سياستها في الشرق الأوسط، فتبقى الأمور تسير في المنطقة على النهج الذي تسير عليه الآن إلى أن تتوَضّح السياسة الأميركية التي سيتبنّاها فريق العمل الجديد. أمّا لبنان، فلا يستطيع سوى أن يتأمل أن يبقى الغطاء الأمني والسياسي عليه، وألّا يطرأ ما يغيّر هذا الغطاء حتى تنجلي الأمور لدى جيرانه.
رياض طبارة - الجمهورية