الخلود

05-12-2017 مازن عبّود

سأل:" الى اين يمضي البشر؟ ولماذا يمضون؟". وتابع مستفسرا عن الزمن والساعة وتبدل الفصول.
فأبلغته بأنّ البشر يعودون الى حيث ينتمون. يتحلل ما كانت تحتضنه الارض، ويتحرر فيهم ما كان يناجي السماوات.
قلت له انّ التراب رحم الارض الذي يلتهم مفاعيل الزمن، فتمضي الومضات طليقة الى بحر الانوار، والعتمات تبتلعها الظلمات.
تابعت قائلا: "يتقدس التراب بالتراب اذا ما لامسه روح. وتتشيطن الارض بملامسة الطين الذي سكنته الارواح المعذبة التي عذّبت وتعذّبت، فتصيّر الارض ملعونة. مسكينة الارض ومسكين التراب لانهما ما اقترفا شرا.
كن بركة يا صغيري، تتقدس بها الارض ويتروحن بها رحمها. واعلم بانّ لكل شيء اوان يا صغيري. فلا تضيّع الازمنة فتعيش الصيف في الربيع والشتاء في الصيف. تعلم من الارض انتظام الفصول. وتذكر ابدا بانّ الشتاء على الابواب. لا تخشه لانّ من يخشاه لا يعش ابدا، ولا يستمتع بجمالات الفصول.
عرفت بشرا صاروا قصصا وبخورا ونغمات، وهم ما زالوا يعيشون وهم قابعون تحت التراب.
ونحن نحيا ونتنفس لكننا مائتون.
نعم، كم من الاموات يحيون ويتحركون.
وكم من الاحياء يتحركون على البسيطة مائتين.
يمضي البشر يا صغيري كي يفسحوا المجال امام قصص وومضات اخرى على مسرح الحياة. يمضي البشر كي يتجدد الكون. فالموت يا حبيبي سر من اسرار الحياة والتجدد.
اننا ننام ونرقد كل يوم يا ولدي على امل ان نستفيق، فنجد انفسنا عند كل صباح في فجر جديد ويوم آخر. نصلي وننام كي لا تدركنا ظلمة فنبلغ الى النور الصباحي.
ترحل الاجساد يا ولدي، لأنه لا يمكن للبشرية ان تبقى على عتقها. ترحل كي لا يترهل الكون وتصير دنيانا مخزنا للموت المتنقل، فتملأ الظلمات والرتابة الارض. ترحل الاجساد وتبقى منها الحكايات.
في البدء كان الله يا ولدي. وقد جعل من الارض نعمة. كانت الارض وكنّا، وكنا نقتات نسائم، وكانت البشرية تتواصل بالنغم والاغنيات. كانت الارض شدوا. لا اعلم من ذا الذي همس في اذن الناس سحرا فجعلهم يتقاتلون ويتساقطون. لا اعلم من ذا الذي همس فيهم. نفخهم، فصاروا يتطايرون عن وجه الارض ويتلاطمون ويتصارعون ويتنافرون ويتبارزون. فتحولت معاولهم الى سيوف وقيثاراتهم الى أقواس نشّاب وابواقهم الى مدافع وطبولهم الى منصات حربية. متى يتحوّل حاسوبنا الى بيانو فننشد للسماء لحن الارض، ونصير احياء ولو اضحينا تحت التراب؟
انّ الجمال يا صغيري لا يستريح الا في حضن الجمال. والومضات لا تجد لها مسكنا الا في بحر الانوار.
صنع الوقت كي يضبط المخلوقات وعبثهم، صنع كي يحفظ ملحهم ويبيد شرهم.
دقات الساعة تنبه المحدود. وتبلغه بأنّ للحمه ودمه عمر. تحذره من سطوة الزمن. تتحرك العقارب كي تحرك في البشرة الروح التي تجعل منه نغما او بخورا او قصة او ومضة لا تموت. تذكره بأنه مقيم زمنا قليلا، وايامه حتما مهما طالت ستنتهي. قلة عزيزة تدرك معنى تكتكات الساعة يا ولدي، وتنصت اليها، وتترجم صرخاتها خربشات او محاولات. قلة تدرك كيف تعيش في النور فلا تنام حتى ان استسلمت له. قلة تعرف كيف تحب وتعطي لحياتها معنى. الحياة بلا معنى قصة بلا مغزى.
الحب يحرر والجمال يخلص. تحرر كي تصير نغمة على جبين الارض، فتندمج بالجمال وتذوب فيه، فتصير منه. هذا الهدف من الوجود الا فأحفظه جيدا يا صغيري في قلبك وعقلك.