"الغوطة"... حكاية موت "ترويها" دماء الأبرياء

05-12-2017 المستقبل
علي الحسيني

في كل يوم يمر من عمر الحرب السورية، يتأكد للقريب قبل البعيد أن من سابع المستحيلات الإبقاء على الوضع القائم في سوريا اليوم. قتل وتنكيل وتدمير وتهجير مستمر بحق الشعب السوري. مشاهد أشلاء الأطفال الموزعة أمام منازلهم وعلى الطرقات وعند أبواب المدارس لا تفارق الذاكرة حتى أصبحت فعلاً يومياً يُمارسه النظام بأبشع الأساليب، وكأن المقصود قتل ذاكرتهم لكي لا تكبر معهم ويكونوا شاهدين على إجرام وحشي لم يُفرّق على مدار 6 سنوات، بين أطفال الميدان والمدارس ولا بين أصوات براميله المتفجرة وبين أصوات الإستغاثات وصرخات الموت التي تخرج من تحت الركام والدمار.

على مدى الأسابيع الثلاثة الاخيرة، أصبح العالم يستيقظ بشكل يومي على مشاهد لجثث مدنيين ممددة في الغوطة الشرقية. الموت في الغوطة ينقسم بين قذائف تحمل شظايا القتل والبتر، وبين صواريخ تحمل "هدايا" غاز "السارين". أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في بلد باعه حُكّامه بأبخس الأثمان لقاء ضمان إنتقال السلطة فيه من والد قاتل مأجور إلى ولد مجرم مأمور. فما تُعانيه اليوم الغوطة الشرقية، هو محض انتقام من النظام الذي عجز عن تطويع المدينة وأهلها، يوم ارتكب بحقهم أفظع مجزرة سجلها التاريخ في 21 آب عام 2013 والتي راح ضحيتها أكثر من الف شخص نصفهم من الاطفال والنساء.

أمس، سمع العالم كله صرخات الاهالي في الغوطة وهم يُصرحون بان طائرات تابعة للنظام قصفت مناطق تشهد كثافة سكنية مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 27 شخصا وإصابة العشرات في هجوم مستمر منذ ثلاثة أسابيع. وكشف عمال الدفاع المدني إن ما لا يقل عن 17 شخصا لاقوا حتفهم في بلدة حمورية في ضربة جوية على سوق ومنطقة سكنية قريبة، بعد أن استهدفت بنحو 30 قذيفة في الأربع والعشرين ساعة الماضية بلدات في منطقة الغوطة الشرقية. أمّا المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد أكد أن عدد قتلى يوم الأحد كان الأكبر حيث أن نحو 200 مدني، بينهم نساء وأطفال، قتلوا وجُرحوا من خلال الضربات التي وجهها النظام اليهم.

والمُلاحظ اليوم، أنه على طريق بلدتَي مضايا والزبداني اللتين كان حاصرهما النظام السوري وحلفاؤه، وشددوا الخناق عليهما من أجل دفع الأهالي إلى الاستسلام بعد تجويعهم ومنع الدواء والغذاء عن النساء والأطفال وكبار السن، يسير هذا الحلف اليوم على الدرب ذاته في الغوطة الشرقية التي يُحاصرها منذ سنوات، وقد اشتد الحصار بشكل خانق منذ ثلاثة أشهر تقريباً، فكانت نتيجته موت أكثر من ثمانين طفلاً وأكثر من سبعين عجوزاً ومدنيين آخرين كانوا يُحاولون الهرب من القصف فقضوا إمّا تحت الأنقاض في الملاجئ، أو على الطرقات أو أثناء محاولاتهم إحضار بعض المؤن الغذائية لأفراد عائلاتهم.

في بداية آب الماضي، توسّم أهالي الغوطة الشرقية خيراً بالتهدئة التي أعلنت بين النظام والمعارضة السورية برعاية روسية، والتي سمحت يومها بإدخال مساعدات غذائية وأدوية إلى المدينة عبر معبر الوافدين برعاية الأمم المتحدة، لكن كل ما تم إدخاله في حينه لا يُمكن أن يرمم آثار الدمار والموت اللذين خلفتهما الحرب ولا يُمكن أن يُعيد الحياة إلى طبيعتها في الغوطة. وما يؤكد توقعات الأهالي بأن ما ينتظرهم في الفترة المقبلة هو الموت وحده، عودة النظام إلى إطباق الحصار على المدينة وتجويع أهلها مجدداً، والأخطر منع الدواء والغذاء عنهم. وهذا ما يجعل الغوطة تعيش اليوم أصعب المراحل التي مرت بها منذ إندلاع الحرب في سوريا، فلا يمر يوم من دون وقوع ضحايا جدد تكشف أحجامهم ساعات الهدنة التي يُقررها النظام.

من المعروف لدى السوريين، أن النظام لم يعد يتمتع بأي صدقية بين شعبه، وهذا ما يؤكد عليه أهالي الغوطة الذين لمسوا بأيديهم عدم التزام قوّات الأسد بقرار الهدنة، إذ انه وبعد مضي ساعة تقريباً على القرار المذكور، قامت مدفعية الأسد بقصف عين ترما وحي جوبر الدمشقي وأمطرتهما في حينه بأكثر من 25 صاروخاً (أرض أرض). ويعيش في قرى وبلدات الغوطة الشرقية نحو 400 ألف نسمة، وكل ما دخل حتى اليوم من مساعدات غذائية وطبية لا يكفي أكثر من 15 في المائة من الاحتياجات. وما يزيد من خوف الاهالي بالإضافة إلى الحصار والقصف، استعادة النظام خطط التهجير والترحيل سواء من خلال الترغيب أو الترهيب.

من باب التذكير، فعندما كانت مدفعية النظام وحلفائه تدكّ الزبداني ومضايا وبعدهما حصار مدينة حلب، كثر الحديث حينها عن ضرورة أن يُتبع هذا المُخطط في الغوطة الشرقية الصامدة في وجه كل المحاولات التي تهدف إلى اسقاطها، لكن "الحلفاء" ارتأوا منذ ذاك التاريخ، بأن الصاروخ أو القذيفة لم تعد تؤتي أكلها ولن تنفع أمام شعب قرّر أن يموت في سبيل حريته وكرامته، فكان أن تم استبدال سلاح البارود والنار، بسلاح الجوع والعطش، سلاح جعل الأهالي يرون بأم العين موت أطفالهم من دون أن يتمكنوا من فعل أي شيء، ووالداً يخرج من منزله بحثاً عن بقايا طعام في النفايات قبل أن تضع رصاصة قنّاص حداً لحياته.
علي الحسيني - المستقبل