بعد إعدام علي عبدالله صالح... ماذا ستفعل إيران؟

05-12-2017 المستقبل
خيرالله خيرالله

إذا كان من درس يمكن تعلّمه من إعدام علي عبدالله صالح، فإن هذا الدرس يُلخص بعبارة واحدة هي أن ليس في الإمكان الوثوق بأي كلمة يقولها الحوثيون (أنصار الله) وبأي اتفاق يمكن التوصل إليه معهم. لا أمان للحوثيين الذين أعلن زعيمهم عبد الملك الحوثي عن ارتياحه إلى الذي حصل واصفاً يوم التخلّص من علي عبدالله صالح بأنّه «يوم استثنائي وتاريخي».

ليس الحوثيون في نهاية المطاف سوى مدرسة متميّزة في الغدر ولا شيء آخر غير ذلك. إنّهم ينتمون إلى مدرسة معروفة، هي مدرسة الميليشيات المذهبية التي ترعاها إيران والتي تسرح وتمرح في العراق وسوريا ولبنان... واليمن في طبيعة الحال.

كان علي عبدالله صالح يعرف تماماً أنّ ساعة تصفيته اقتربت. لذلك تحرّك في الأيام القليلة الماضية ساعياً إلى كتابة الفصل الأخير من معركة صنعاء التي انتفضت قبل أسبوع في وجه الحوثيين ومشروعهم المتخلّف. كان الرئيس اليمني السابق يعرف تماماً أنّه مُراقب ومُخترق. كان الحوثيون قد اخترقوا حراساته الشخصية. كانوا يدقّون كلّ ليلة على باب المنزل الذي ينام فيه كي يقولوا له إنّهم يعرفون تماماً أين هو.

طوى اغتيال علي عبدالله صالح صفحة من تاريخ اليمن. جاء مقتله ليؤكد أن اليمن الذي عرفناه لم يعد موجوداً. أي صيغة سيستقر عليها اليمن؟ كيف ستستغل إيران، التي تعتبر«أنصار الله» أداة من أدواتها، التخلّص من الرئيس اليمني السابق الذي سعى إلى تحدّي نفوذها في العاصمة اليمنية؟ ألم تعلن إيران بلسان غير مسؤول، بعد سقوط صنعاء في يد الحوثيين في الواحد والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2014، أنّها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء؟

الاهمّ من ذلك كلّه ما هي الانعكاسات الاقليمية لما تعتبره ايران انتصارا كبيرا حقّقته في اليمن؟ كيف سينعكس ذلك على العراق وسوريا ولبنان حيث ستشعر الميليشيات التابعة لإيران بنوع جديد من الثقة؟

لم يكن أمام علي عبدالله صالح في الأيّام القليلة الماضية سوى السعي إلى المقاومة وتوقيع الفصل الأخير من المعركة التي يخوضها منذ فترة طويلة مع الحوثيين استكمالاً للحروب الست التي خاضها معهم بين 2004 و2010. تظاهر «أنصار الله» بالوثوق بعلي عبدالله صالح. أقاموا شراكة معه عملوا من خلالها على الاستيلاء على المؤسسات الحكومية وعلى موارد الدولة.

شعر علي عبدالله صالح في الأشهر الأخيرة أن ساعته آتية. ذهب في نهاية المطاف ضحية تنظيم ميليشيوي مذهبي لعب بنفسه دوراً أساسياً في قيامه وتطوّره وتوسّعه.

سعى الرئيس السابق الذي يهوى لعبة إدارة التوازنات والتحكّم بها، إلى قيام تنظيم «الشباب المؤمن» وقوامه الحوثيون بعدما وجد نفسه تحت رحمة الاخوان المسلمين والسلفيين صيف العام 1994.

انتصر علي عبدالله صالح في معركته مع الحزب الاشتراكي الذي خاض حرب الانفصال. لعب الإسلاميون، خصوصاً حزب الإصلاح، دوراً حاسماً في تحقيق هذا الانتصار. أراد الرئيس اليمني وقتذاك التخلّص من فكرة أنّه تحت رحمة الإسلاميين. دفعه ذلك إلى تشجيع الحوثيين على إقامة تنظيم خاص بهم. أدخلهم إلى مجلس النوّاب وربطهم بإيران وحتّى بـ«حزب الله». في نهاية المطاف، انقلب السحر على الساحر.

اكتشف علي عبدالله صالح في العام 2003 أن الحوثيين يعملون لدى إيران وليس لديه. قرّر الدخول في مواجهة معهم. ارتدت هذه المواجهة، وهي كناية عن ست حروب، طابعاً غريباً في بعض الأحيان. يعود ذلك إلى أنّها جرت على خلفية التوريث من جهة وطموح قريب علي عبدالله صالح، الفريق علي محسن صالح الأحمر (نائب رئيس الجمهورية حالياً) في أن يكون خليفته في يوم من الأيّام. كانت الحروب مع الحوثيين تدور في مناطقهم، فيما الخلافات عميقة بين علي عبدالله صالح وعلي محسن صالح بعدما بدأ الأوّل يعمل من أجل إيصال نجله العميد أحمد علي عبدالله صالح إلى الرئاسة.

كان لافتاً إصرار الحوثيين على إعدام علي عبدالله بإطلاق النار على رأسه وعرض الصور عبر الفضائيات التابعة لما يسمّى «جبهة الممانعة». أرادوا أن يكون مصيره أمثولة لكلّ من يتجرّأ على تحدي «أنصار الله» في المستقبل. أرادوا أيضاً الانتقام لمقتل حسين بدر الدين الحوثي، الذي أسّس الحركة الحوثية، والذي أعدم في أثناء الحرب الأولى بين علي عبدالله صالح والحوثيين في أيلول (سبتمبر) 2004.

لا شكّ أن هناك مشكلة كبيرة في اليمن حالياً. في أساس هذه المشكلة أن أحداً لا يستطيع الحلول مكان علي عبدالله صالح الذي قاد المحاولة الجدّية الوحيدة لإخراج الحوثيين من صنعاء. لا شكّ أيضاً أنّ «عاصفة الحزم» استطاعت منذ انطلاقها في آذار (مارس) 2015 كسر ظهر المشروع الإيراني في اليمن. ولكن يبقى أن صنعاء ستبقى لفترة طويلة رهينة لدى الحوثيين، أي لدى إيران. سيكون من الصعب في المدى المنظور إيجاد بديل من علي عبدالله صالح الذي استطاع في أقلّ من أسبوع إعادة إحياء الأمل في تخليص صنعاء من براثن «أنصار الله».

يظل في النهاية سؤال في غاية الأهمّية: هل يستطيع «أنصار الله» الذين ليسوا سوى قسم من الزيود إخضاع القبائل اليمنية، بما في ذلك بكيل وحاشد وقبائل «الطوق»، أي تلك التي تتحكّم بمداخل صنعاء؟

الثابت أن إعدام الرئيس السابق الذي حكم اليمن ثلاثة وثلاثين عاماً استهدف جعل علي عبدالله صالح أمثولة لمن يريد التفكير مستقبلاً في الاعتراض على النظام الجديد الذي أقامه الحوثيون في منطقة سيطرتهم. الثابت، من خلال التجربة، أن مثل هذا الأسلوب في التعاطي مع الآخرين لا ينفع في اليمن حيث المجتمع قبلي قبل أي شيء آخر، وحيث مبدأ الثأر للقبيلة لا يُمحى بسهولة.

لم يكن علي عبدالله صالح دموياً. سعى دائماً إلى تفادي اللجوء إلى العنف من دون أن يعني ذلك أنه بريء كلّياً من جرائم معيّنة ارتكبت في عهده الطويل، خصوصاً بعد الثورة الشعبية التي قامت في بداية العام 2011 والتي سعى «الاخوان المسلمون» إلى استغلالها وإلى التخلص من علي عبدالله صالح جسدياً في الوقت ذاته.

كانت انتفاضة صنعاء على الحوثيين مفاجأة. كان إعدام علي عبدالله صالح مفاجأة أخرى. ما المفاجأة المقبلة التي يخبئها لنا اليمن؟
خيرالله خيرالله - المستقبل