اتجاه لـ«المستقبل» لتموضع انتخابي في مواجهة «حلفاء الامس»

04-12-2017 محمود زيات

الديار

كالصدمة المدوِّية، وقعت المواقف الباريسية الاخيرة للرئيس سعد الحريري، العائد الى رئاسة الحكومة، اطلقها في مجلة «الباري ماتش»، بعد ازمة اقالة الرياض، البعض من «صقور» ما كان يسمى قوى 14 آذار لم يصدق ما قاله الحريري حول «حزب الله» الذي «يملك السلاح، لكنه لا يستخدمه في الداخل»، وهو كلام كان كفيلا بتعميم حالة من «خيبة الامل» لدى «كبار» المنظرين لصراع طويل الامد مع «حزب الله»، فكانت المواقف، بنظر هؤلاء اقرب الى «الانقلاب على كل الثوابت والمبادىء التي قامت عليها «ثورة الارز»! فيما آخرون «عقلنوا» المواقف وادرجوها في اطار سياسة ربط نزاع مع «حزب الله»، ويبقى الموقف الاكثر طرافة، ما قالته اعلامية «مستقبلية»عن مواقف الحريري... «لقد سمعنا مواقف نائب «حزب الله» محمد رعد!
لا يريد «الحلفاء السابقون» للحريري وتياره «المستقبل» ان يصدقوا، يقول متابعون، ان الانقلاب الحاصل في المشهد السياسي الذي وُلد ما بعد «الاقالة المتلفزة» التي بُثَّت من العاصمة السعودية الرياض، كان ثمرة خيارات ورهانات خاسرة، كشفها ما آل اليه الوضع في سوريا والمنطقة، وما حمله من نكسات لحقت بالخيارات السعودية التي ذهبت بعيدا في العمل على اسقاط الدولة السورية ودورها المفصلي في المنطقة، والهزائم السعودية في الميدان اليمني وميادين عربية اخرى، وما قابله من تنام للنفوذ الايراني في المنطقة، وحضور ايران في الخارطتين الاقليمية والدولية.
ثمة من يشير الى ان من اكثر التداعيات التي قد تشهدها الساحة السياسية من الازمة السياسية المرتبطة بـ «رغبة» السعودية الاطاحة بالحريري، وفق متابعين، ان اطرافها الاساسيين وجدوا امامهم ما لم يكن قائما قبل الرابع من تشرين الثاني، يوم اعلان الاقالة، وبرزت مؤشرات تدل على تبدلات واسعة متوقعة في خارطة التحالفات السياسية التي ستنعكس تحالفات انتخابية وفرت عناصر قيامها المستجدات الاخيرة التي حصلت على خط بيروت ـ باريس ـ الرياض، بحيث يكون الجميع امام ساحة منازلة ومعاقبة، بعد ان تصاغ التحالفات «حيث يجب ان تُصاغ».
بات في لبنان منتصرون ومهزومون، من المعسكرين اللذين كانا قائمين قبل استقالة الحريري وتريثه ثم العودة عنها، وما يتوقعه فريق الحريري... المنتصر «حتى اشعار آخر»... ان يُكمل «معركته» الداخلية مع «حلفاء الامس» الذين احدث سلوكهم خلال ازمته «نقزة» كبيرة، سيما ان منسوب تدهور العلاقة مع «القوات اللبنانية» وشخصيات من رموز ما كان يسمى «ثورة الارز»... الى ارتفاع، ومع حسابات «مرجعية الامس» التي اثقلته بملفات ذات طابع اقليمي لا قدرة له على تحملها، والانتخابات النيابية المقررة في ايار المقبل ستكون الحلقة الثانية التي يُكرس فيها الحريري زعامته على الشارع السني، وان كانت الحسابات قد تكون مغايرة للتوقعات الموضوعة، لكن عدم الرضى الذي اظهره «تيار المستقبل» من قانون الانتخاب القائم على النسبية، تحول مع الازمة السعودية مع لبنان الى حماسة لخوض الانتخابات في «النسبي»، خاصة وان مناخات من الانفتاح السياسي بين رئيس الجمهورية والحريري من جهة، وبين الحريري والرئيس نبيه بري، فيما الهدنة مع «حزب الله» تشق طريقها من «الباري ماتش» الفرنسية التي قال الحريري على صفحاتها، «ان سلاح «حزب الله» لا يستخدم في الداخل، في اشارة الى الدخول في مرحلة ربط النزاع مع الحزب، وفق ما اعلنه، وبالتالي، فان مساحة التحالف الانتخابي مع «اخصام الامس» في مواجهة «حلفاء الامس»!.
بعض هؤلاء المصدومين، يتصرفون وكأنهم ينتظرون الاعلان عن ضمانات تُعطى للسعودية في التسوية الجديدة التي ادت الى تراجع الحريري عن استقالته والعودة الى رئاسة الحكومة، تخفيفا لوطأة التسوية المرتقب ان تتضح معالمها مع الجلسة الحكومية، السؤال الكبير الذي يدور في صالونات السياسة، يتمحور حول الخيارات التي سيتخذها الحريري في المرحلة المقبلة، في ضوء تأزم العلاقات مع السعودية، وان كان الحريري لم يقطع بعد «شعرة معاوية»، لكن «الغرام» واقع بين الحريري وباريس، وطريق بيروت ـ الرياض محفوفة بالريبة، فيما الاوضاع الداخلية تسلك طريق التهدئة في الداخل اللبناني، فهل نشهد ورشة للحريري على خط اعادة تنظيم البيت الداخلي لـ «تيار المستقبل»؟ والبت في مصير العلاقة بينه وبين حلفاء «ما قبل استقالة الرياض»؟، بخاصة مع الاطراف المتهمة اليوم، بالتواطؤ للاطاحة بزعامة الحريري للشارع السني و«المستقبل»، كل ذلك يجري منذ عودة الحريري من الرياض...
بهدوء وبعيدا عن اي «جلبة»، اطلق الحريري، سلسلة اشارات باتجاه عدد من كبار رموز «تيار المستقبل» وتكتله النيابي، من خلال توسيع دور حلقة المقربين منه، على حساب من كان يعتقد انه ضمن هذه الحلقة، وبالفعل، وهو يسعى الى الامساك بالتيار والتكتل من خلال متابعة كل شاردة وواردة، لرسم الخطوط الاولى للسياسة التي سينتهجها بعد المستجدات، والتي دلَّ بعض الاداء السياسي الاولي على الانفتاح على القوى والتيارات السياسية والحزبية المصنفة في «المعسكر الآخر»، في «تيار المستقبل»، يقول المتابعون، ظهر مساران على خط ازمة الاستقالة و«البقاء في الرياض»، الاول حارب وبشراسة دفاعا عن زعامة الحريري للشارع السياسي السني، ورفض مبايعة اي بديل عنه، حتى ولو جاء من داخل آل الحريري كما فعلت السعودية حين طرحت شقيق الحريري بهاء الدين، والثاني كان طيِّعا ومَرِنا امام «ولي الامر» السعودي، بالرغم من حجم الضغوط التي فُرِضَت على الحريري، وهذا الفريق تعامل باستسهال، وكأنه يتهيَّأ للدخول في «مرحلة ما بعد سعد الحريري»، كل ذلك بات على طاولة الحريري، من هنا جاء تعميمه بعدم عقد اي اجتماع لتكتله النيابي من دون ان يكون برئاسته، لضبط ايقاعه السياسي، بعد سقطات سجلها خلال «الاقامة القسرية» للحريري في الرياض.
 و«حملة التطهير» المتوقع ان يقوم بها الحريري، تتسع دائرتها لتشمل ثلاثة مستويات، «تيار المستقبل» والنواب والوزراء «المستقبليين» والحلفاء، مع انتهاج سياسة التشدد مع «المتمردين» الذين يسعون لاستنزاف شعبية الحريري، وبخاصة في الشمال لاستمالتها انتخابيا الى رموز كانت بالامس القريب محسوبة على «تيار المستقبل» ورئيسه، والتعامل مع الآفاق المفتوحة لبناء علاقات سياسية مع قوى «المعسكر الآخر»، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس نبيه بري و«التيار الوطني الحر» المرشح ان يكون الشريك المسيحي للحريري بعد القطيعة مع «القوات اللبنانية»... وصولا الى صياغة علاقة مرنة ومدروسة مع «حزب الله».