الحرب المقدسة

28-11-2017 مازن ح. عبّود

استلّ سيفه المطاطي، وانشد اناشيده. وانجز تدريباته. ابلغني بانه ماض الى الحرب المقدسة. فسألته: "هل حقا توجد حروب مقدسة يا صغيري؟".

استكان قليلا، قبل ان يجيب بنعم. قال بانه ماض كي يحارب من يترصد بالكوكب شرا. وعدوّه، كما قال كان خفيا. عدوّه كان تنينا مجنحا. لقد اراد ان يصرع التنين بسيفه المطاطي. قرر ان يصرعه، بعد ان وجد بأنّ الطيور تتناقص، والسمك يتضاءل، والأشجار تزول مع كل الجمالات الانهار والسواقي.
وتابع، قائلا: "ثمة خطر على الشمس التي صارت انوارها تحرق، والنجوم التي التهم بعضها التنين المجنح، فما عادت تبان في سماء الليل".
كان قلقا على نجمة الصبح التي اعتقد بأنّ التنين يترصدها. وخوفه عليها، نبع من حرصه على الطفل والميلاد.
واردف لي بحسرة: "إذا ما رحل طفل المغارة يا ابي سيرحل الرجاء عن عالمنا حتما. يرحل الرجاء ويأخذ معه السلام. فلا يعود للأطفال عائلات ومنازل فيها يكبرون. بل يصير هيرودس يصنعهم في مختبراته استجابة لطلب الزبون. يصنعهم وفق تصاميم وخرائط. فتصير الطفولة سلعة. ويودع الزبائن سلعهم في دور حضانة ويمضون الى اشغالهم وهمومهم. ويكبر الاطفال المساكين في المصانع. يكبرون، ويكبر معهم القلق والخوف والانطواء والنقمة. اتعلم ما معنى ذلك يا ابي؟".
وتابع: "ومن ثمّ يأتي الشتاء بسيول جارفة ويملأ الفيضان مجددا الأرض ويزيل كل حي عن وجهها. فيضان يولد جفافا وسنين عجافا. ويمضي ربيع الارض ويأخذ معه الخريف وكل النحل والمواسم واعتدال الفصول والاحوال.
ويموت الفقير في فقره، وينحر التسطح والخواء الغني.
يروح الناس يشترون الهواء والماء والاحلام الزائفة والاوهام. فتصير الحياة صعبة وداكنة يا ابي، ونور الشمس لا يعود مفيدا. فيلجأ البشر الى انوار المصابيح.
يزول الشجر الحقيقي، وتحل محله مجسمات من مطاط. تزول الازاهير، وتصير الجداول من زجاج. فتصير الحياة من بلاستيك. لا تعود العائلات تجتمع في المنازل.
رأيت البشر يركضون في المدينة العظيمة ذات الابراج العملاقة متوجهين الى علبهم كي يرتاحوا. رأيتهم يلهثون، وقد هجرتهم الضحكة، وجافاهم الامل.
إذا ما زال النجم يا ابي ضاع المجوس، وعادوا الى بلادهم. فتضيع الرسالة. ويحلّ الخوف وتزول الحقيقة. أتعلم الان لماذا حربي مقدسة؟".
استكنت طويلا. وتطلعت اليه، وقد اغرورقت عيناي بالدمع. فقد كان ما نقله رؤية.
عانقته، وشجّعته. ابلغته بانّ حربه هي الحرب الاقدس، لأنها حرب الحفاظ على العدل والسلام والجمال.
قلت له انّ حربه هي الاقدس لأنها حرب الحفاظ على العائلة وعلى الانسانية. انها حرب الحفاظ على الحضارة التي تدك اسسها الاخلاقية في كل مكان، وتجرف حضارات شعوبها ودولها. انها بالفعل حرب الحفاظ على ما تبقى من جمال على هذا الكوكب. هي الحرب الاقدس، لأنها تضمن وتصون وجودنا.
اخيرا، طمأنته، مبلغا اياه بأنّ النجم لا ولن يلتهم. ابلغته بانّ الميلاد قادم حتما وبأنّ الغد لناظره قريب.