لبنان ورقة خاسرة إضافية للسعودية حتى الآن

21-11-2017 بشارة الشمالي

سابقةٌ كانت استقالة رئيس الحكومة اللبناني من السعودية في تاريخ الدبلوماسية بين الدول. أرادت المملكة بقيادة ولي العهد من هذه الإستقالة تعويض الخسائر التي مُنيت بها دبلوماسيتها في المنطقة، أكان في أزمة قطر، سوريا، اليمن أو حتى إيران حيث فشلت بإلغاء الإتفاق النووي مع إيران عبر الضغط على إدارة ترامب، بالاضافة إلى تمسّك باقي أطراف الإتفاق به. لكن هل استطاعت المملكة أن تفوز بورقتها اللبنانية؟

ردّة الفعل اللبنانية الهادئة في الساعات التالية للإستقالة استوعبت هذه الصدمة: موقف الرئيس عون ودولة الرئيس بري المتروي بالإضافة الى إطلالتي السيد نصرالله الهادئتين وكذلك موقفي المستقبل والاشتراكي، كل هذه المواقف سمحت باستيعاب والتروّي لإنقشاع الصورة مع الوقت. بينما لم تغيّر مواقف بعض السياسيين المتسرّعة الداعية الى تشكيل حكومة جديدة بالموقف اللبناني بشكل عام على الصعيد الداخلي.
بعد أيامٍ بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر: إزداد الموقف اللبناني تضامناً ومطالبةً بعودة رئيس الحكومة، كذلك على المستوى الشعبي امتلأت الشوارع باليافطات المطالبة بعودة الحريري. فالسعودية التي كانت تسعى من خلال استقالة الحريري الضغط على حزب الله، تحوّلت هذه الاستقالة الى أداة جامعة لمعظم القوى السياسية من دون أن تؤثر على الاستقرار الداخلي أو على حزب الله بشكل خاص.
دأبت الرياض على مدى هذه الأيام إظهار الحريري كأنه ليس مقيّد وقام باستقالته بكامل إرادته، لكن كل خطوة قامت بها السعودية كانت تثبت غير ذلك: لقاؤه بالملك، سفره إلى أبوظبي ومقابلته على شاشة المستقبل.
كذلك توضّحت الصورة دولياً بعد أيام قليلة من الأزمة، فبدأت البيانات المتتالية الداعية لعودة الحريري. وكانت بيانات البيت الأبيض، وزارتي الخارجية في باريس وواشنطن بالإضافة الى الاتحاد الأوروبي... تستخدم مصطلح "رئيس الحكومة اللبناني" مما يعني انها لم تعترف بالاستقالة التي جرت بالرياض.
بالتزامن مع إطالة الأزمة، بدأت الدبلوماسية اللبنانية مع رئيس الجمهورية ووزير الخارجية (بالتنسيق الكامل مع باقي الأطراف) بزيادة الضغط على الرياض، فكانت الاتصالات العربية والدولية بالاضافة الى الجولة الاوروبية للوزير باسيل الذي أوضح الموقف اللبناني المطالب بعودة رئيس الحكومة لدرجة إعطاء مهلة حتى السبت (بعد أسبوعين من بدأ الأزمة) بالذهاب لمجلس الأمن في حال عدم إستجابة الرياض بـ"تحرير" الحريري. فكان نجاح المبادرة الفرنسية يوم السبت بتفادي التوجه الى مجلس الأمن.
لكن، حتى الآن، تكون الرياض قد خضعت لضغط المجتمع الدولي وسمحت للحريري بالعودة الى بيروت عبر باريس. لكنها هل خسرت بالضربة القاضية؟ طبعاً لا!
ما زالت المملكة العربية السعودية تملك بعض الأوراق على الساحة اللبنانية تجنّبها الخسارة الكاملة:
1- بقاء أبناء رئيس الحكومة في الرياض مما يشكل ورقة ضغط عليه على المستوى العائلي.
2- اللعبة السياسية من خلال دعم مناوئي الحريري داخل تيار المستقبل (السبهانيين) وفي الطائفة السنيّة عبر الإعلام وتحضيراً للانتخابات. وبذلك تكون السعودية تنسف التسوية القائمة منذ سنة وتصعّد بوجه رئيس الجمهورية، حزب الله والتيار الوطني الحر. وبهذه الحال لن تكون هذه الورقة مضمونة النتائج للرياض.
3- متابعة التهديد بموضوع اللبنانيين العاملين في السعودية والخليج بشكل عام. بالرغم من أنه من المستبعد أن تقوم السلطات السعودية بعمليات طرد جماعي، مما يؤثر سلباً على الاقتصاد السعودي، وليس من منطلق إنساني بحت.
4- الهجوم الدبلوماسي، وهو ما قامت به المملكة في الجامعة العربية (من دون التوقّع بأي نتيجة ملموسة من قبل الجامعة مقارنةً بإنتاجيتها في العقود الماضية) أو على الساحة الدولية (عبر مجلس الأمن مثلاً) ومن المرجح أن تفشل أيضاً حيث الإستقرار الأمني على الساحة اللبنانية هو أولوية للمجتمع الدولي بشكل عام وللإتحاد الأوروبي بشكل خاص طالما يوجد مليون ونصف لاجئ لا يوّد الأوروبيون رؤيتهم يعبرون المتوسط والوصول إلى اوروبا في حال تدهور الاستقرار اللبناني.
5- الورقة العسكرية والأمنية، فالتقارب السعودي الاسرائيلي لن يقنع تل أبيب بشن حرب جديدة كرمى لعيون الرياض، تعلم دوائر القرار في اسرائيل كلفتها العالية على الجبهة الداخلية خاصة. تبقى الورقة الأمنية الداخلية وهي أسهل للرياض، حيث يمكنها إختراق الساحة الأمنية اللبنانية المستقرة مؤخراً من خلال المخيمات الفلسطينية (المجموعات المتشددة) أو اللاجئين السوريين أو حتى بعض المجموعات اللبنانية المتشددة. لكن بالرغم من سهولة هز الاستقرار الأمني مقارنة بالوضع العسكري، يبقى وعي الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية بالإضافة الى مسؤولية القوى الفلسطينية الكبرى في المخيمات الضامن الأكبر لمتابعة الإستقرار الداخلي.
مع هذه النقاط المتبقية للرياض على الساحة اللبنانية، هل ستتمكن المملكة من تحويل خسارتها الحالية الى انتصار لتعيد من خلاله بعضٌ من هيبتها على الساحة الإقليمية؟ أم ستكون المرحلة القادمة شاهدة لخسارة كاملة للنفوذ السعودي في لبنان والخروج من هذه الأزمة خالية الوفاض، بذلك تكون المملكة قد أضافت لبنان الى لائحة خسائرها في الإقليم (اليمن، قطر وسوريا). بينما تبقى المصالحة الفلسطينية والتطبيبع المتزايد مع اسرائيل ورقة الرياض الأخيرة لكسب ودّ تل أبيب وواشنطن.