لبنان المشدود الأعصاب "في قبضة" المجهول

10-11-2017

لبنان في قبضة المجهول... هذا هو حال بيروت التي تجتاز أياماً عصيبة، كأنها انتقلتْ فجأة إلى «بوز المدفع» في صراعٍ إقليمي يزداد اشتعالاً ويجعل المنطقة فوق «فوهة» احتمالات مأسوية تشبه «مقدّمات» حرب عالمية ثالثة.

ففي اللحظة التي اشتدّت المواجهة الإيرانية - السعودية وتعاظمتْ حدّتُها في تطوّرٍ يشي بأن «الحرب أوّلها كلام»، دخلتْ المنطقة وساحاتها حقبةً غامضة يصعب التكهن بما ستؤول إليه في ضوء المنزلقات الخطرة الناجمة عن «التحمية» المتزايدة تحت برميلٍ من البارود.

هذا المناخ دَهَمَ لبنان وفَرَضَ وقائع «مجهولة باقي الهوية» منذ إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري، ومن المملكة العربية السعودية، استقالتَه المفاجئة بعد يومٍ واحدٍ من إعلان مستشار المرشد الاعلى في إيران علي أكبر ولايتي من بيروت أن لبنان جزء من المحور الإيراني.

هذا التطوّر دَفَعَ لبنان إلى ما هو أدهى من أزمةٍ سياسية تتصل باستقالة الحكومة والتشاور لتشكيل بديلٍ منها، إذ انكشف المشهد وعلى نحوٍ دراماتيكي على انتقال «خط التماس» الاقليمي إلى بيروت، الأمر الذي أيقظ أيضاً أزمة داخلية عميقة.

ورغم محاولات إخفاء رأس جبل هذا التحول الصاخب بتركيز الأضواء على عدم عودة الحريري من الرياض إلى بيروت والإيحاء بتقييدٍ لحركته، فإن الوقائع المستجدة تؤشر على مرحلةٍ صعبة وقاسية تنتظر لبنان المرشّح لأن يكون ساحة لمواجهة مُكْلفة.

وإذ رجّحت مصادر متابعة لـ «الراي» عودة الحريري الى بيروت قريباً، وربما اليوم، للتأكيد على استقالته، فإن السؤال الكبير الذي يَرْتسم في الأفق هو: أي قواعد جديدة للعبة سترتسم في بيروت، بعدما جرى التعامل مع استقالة رئيس الحكومة على أنها خطوة في اتجاه فرْض العزلة على «حزب الله»؟

أوساطٌ سياسية على صلة بمجريات ما يَحدث، قلّلتْ من وطأة ما يجري حين قالت لـ «الراي» انه لا بدّ بعد عودة الحريري من الدعوة لإجراء استشارات نيابية مُلْزِمة لتشكيل حكومةٍ، يفترض أن تكون من التكنوقراط برئاسة شخصية يسمّيها الحريري وغير مرشّحة للانتخابات بغية الاشراف على الاستحقاق النيابي المقبل.

وفي تقدير هذه الأوساط ان استقالة الحريري أوقفتْ مساراً انحدارياً سلّم بهيْمنة «حزب الله»، وتالياً فإن الذهاب الى حكومة تكنوقراط سيتمّ في إطار تَفاهُم سياسي يعيد التوازن الداخلي أو يحدّ من اختلاله ويحمي حيادية لبنان ويجنّبه لعبة المَحاور وأثمانها.

ورأت هذه الأوساط ان الرئيس الحريري وبواقعيته السياسية أدرك أنه لا بد من الحفاظ على «الحد الأدنى» من الدولة في لحظة اختلال التوازن الاستراتيجي، لكنه لم ينجح في كبْح جماح الآخرين الذين تعاملوا مع التسوية السياسية على انها فرصة لتشديد قبضتهم على لبنان.

وفي رأي هذه الأوساط، التي لا يأخذها الضجيج الخارجي الى رسم سيناريوات «حرْبجية»، انه بعد تأكيد الحريري على استقالته من بيروت، ستعود اللعبة الى «المربّع الأول» في ضوء قيام جبهة متماسكة متراصّة لن تشارك في عملية إنتاج السلطة (حكومة او انتخابات) إلا في إطار تفاهُم يعيد القرار الاستراتيجي الى الدولة ويَحْفظ التوازن الوطني.

وفي انتظار عودة الحريري، كان الاستنفار السياسي على أشدّه أمس في بيروت... اجتماعات ماراثونية في القصر الرئاسي في بعبدا، ومشاورات بعيدة عن الأضواء في مقر رئيس البرلمان نبيه بري، وحركة لا تهدأ من الزوار الى دار الفتوى، وسط حراك ديبلوماسي تَصدّره السفير الفرنسي في بيروت برونو فوشيه وملامح سباق بين إصرارٍ لدى البعض في بيروت على تصوير الاستقالة على أنها «ملتبسة أو إجبارية»، مع رسْم علامات استفهام حول ملابسات إقامة الحريري في الرياض وبين إشارات مُعاكسة تصدر من العاصمة السعودية ومحورها نشاط ديبلوماسي لرئيس الحكومة المستقيل في منزله.

وفي هذا السياق، نفتْ مصادر القصر الجمهوري في لبنان وجود أيّ معلومات لديها عما أشيع عن «احتجاز الحريري في السعودية»، فيما أكد الرئيس ميشال عون انه لا يزال عند الموقف الذي أعلنه منذ السبت الماضي لجهة ضرورة عودة الرئيس الحريري الى لبنان للبحث معه في اسباب الاستقالة والتأكد من ظروفها وذلك لاتخاذ الموقف المناسب منها. وسجّل الرئيس اللبناني ارتياحه للمواقف الدولية التي صدرت عن دول شقيقة وصديقة والتي اكدت التضامن مع لبنان وجددت التزامها الدعم الذي تقدّمه له على مختلف المستويات.

وفيما يلتقي عون اليوم سفراء الدول الخمس الكبرى وعدداً من الدول الأوروبية والعربية، كان لافتاً إعلان المكتب الاعلامي للرئيس الحريري انه استقبل أمس في دارته في الرياض السفير الفرنسي لدى السعودية فرنسوا غوييت، وانه كان استقبل اول من امس رئيسة بعثة الاتحاد الاوروبي في المملكة ميشال سيرفون دورسو ويوم الثلاثاء الماضي كلاً من القائم بالأعمال الأميركي في الرياض كريستوفر هينزل والسفير البريطاني سايمون كولينز. وتمّ التعاطي مع اللقاءات الديبلوماسية لرئيس الحكومة المستقيل على أنها ردّ إضافي على المناخات التي تشيع أنه مقيّد الحركة في المملكة.

وفي موازاة ذلك، بقيت دار الفتوى محور اجتماعات مفتوحة، وبرزت في هذا السياق الزيارة الثانية التي يقوم بها وزير الداخلية نهاد المشنوق منذ استقالة الحريري، وتولى بعدها الردّ على تقارير تحدثت عن ان بهاء الحريري شقيق الرئيس الحريري مرشح لرئاسة الحكومة في لبنان قائلاً: «هذا الكلام يدلّ على جهل بطبيعة لبنان السياسية ونظامه الديموقراطي، وهو ليس دليلاً على وجود حديث جدي بالموضوع. لسنا قطيع غنم ولا قطعة أرض تنتقل ملكيتها من شخص لآخر، والسياسة في لبنان تحكمها الانتخابات وليس المبايعات»، لافتاً الى «ان الرئيس الحريري هو من يقرر مع إخوانه طبيعة المرحلة المقبلة عند عودته وإجرائه مشاورات مع كل الرؤساء والقوى السياسية».

وفي حين توقفت كتلة «حزب الله» البرلمانية عند ما وصفتْه بـ «الاستقالة الملتبسة» للحريري، دعت اللبنانيين «الى توخي الدقة في اطلاق المواقف والحذر من الشائعات التحريضية المغرضة والحفاظ على الهدوء»، رسم رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع أفق المشهد السياسي إذ قال «إننا دخلنا مرحلة جديدة عنوانها الكلمة التي ألقاها الحريري»، متحدثاً عن الاتجاه الى «مقاومة سلميّة حضاريّة واضحة المعالم لأن المهادنة لم تفدنا بأي شيء»، ومعلناً «بيت القصيد أن تتشكّلَ حكومةٌ تأخذ على عاتقها أوّلاً سحبَ الحزبِ من أزمات المنطقة ليسحب لبنان منها وإلا فإننا متجهون الى الهاوية».
"الراي"