أخطار تستدعي التعقل

09-11-2017 اللواء عباس ابراهيم

تحتم التطورات الأخيرة على مستويي الإقليم والعالم النظر إلى ما بعد ذلك، وإلى ما ستؤول إليه الأمور في ظل احتدام هنا وارتطام هناك. ذلك ان التصعيد في اللغة السياسية المصحوب بجمود أصاب ديبلوماسيات أساسية، وأحالها شبه مُقعدة، يحسم بأننا أمام أشهر عجاف قد يكون المقرر الأساس فيها هو الميدان.

وإذا كان التهديد الإرهابي المتأسلم قد تراجع تأثيره المباشر عن لبنان، بعد دحره جراء تضحيات الجيش والقوى الأمنية، فهذا لا يعني على الاطلاق زواله ، لأنه في الأساس لم يكن كلاسيكيا ذا مقار وقواعد واضحة، بقدر ما ان فاعليته تقوم على الإنغماس والمباغتة واستغلال الثغر. وعليه فإن هذا التهديد يبقى قائما وبالغ الخطورة كونه يسعى لاستثارة الفتن والغرائز إلى جانب سفك الدماء، ولينضم إلى غيره من الأخطار المستجدة والناتجة من صراع الأمم والامبراطوريات بكل خططهم ومشاريعهم.
ما يجعل لبنان على هذا القدر من التنبه والالتفات الى ما يدور حوله، ليس ضآلة جغرافيته وضعف إمكاناته وموارده، انما الخشية من تعميق الانقسامات الداخلية وفي كل الاتجاهات، والتلهي بسجالات مستعارة من الماضي الرهيب، المُشبع بسرديات أهلية، لا تزال تُكرر نفسها على وجوه مختلفة وفي مناسبات يتم احياؤها من خارج سياقاتها المحلية والدولية.
وما يزيد لبنان قلقا، ويعزز من ترشيحه ليكون ساحة من ساحات صراع الأمم والدول وصندوقة بريد، الخشية من المحاولات التي يعمل عليها البعض للانقضاض على الوحدة الوطنية والتوافقات السياسية اللتين افضتا إلى بعث الحياة الدستورية وانتظامها، وكان في نتيجتها إنجازات عديدة اعادت الحياة والحيوية الى الجسد اللبناني السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وإذا كان صعبا على البعض السير في مقتضيات التوافق السياسي الذي يعزز المناعة الوطنية بعدما كان البلد وأهله في محطات كثيرة على أبواب فتن، فانه يغفل ان مبدأ التسوية، لما فيه المصلحة العليا للوطن، ليس مذموما بل مطلوبا، كونه من أدوات العمل السياسي طالما انه يحقن دماءً، ويوفر خسائر. ولأن علم السياسة هو علم بناء الدولة لا استثارة العصبيات والمقامرة باستقرار البلد. وطالما ان البلد محكوم بمكوناته الطائفية، واستطرادا ما اصطلح على تسميته بـ "الديموقراطية التوافقية"، فإن لبنان سيبقى بلد التفاهمات المستمرة.
ما يعرفه الجميع، ويتغاضى كثيرون منهم عنه، هو ان الأمن على مستوى الشرق الأوسط صار مشكلة بالغة التعقيد بسبب القديم والجديد من الصراعات. حاليا لا يوجد ضوابط او توازنات يمكن الركون إليهما لتأمين مظلة تدفع عن لبنان انعكاس الأخطار التي تلف المنطقة بأسرها. وليس هناك آليات واضحة قادرة على تحويل المواجهات ومشاريع المواجهات إلى ترتيبات سياسية.
في ظل التطورات الأخيرة، صار من الصعوبة بمكان تعيين الوضع في المنطقة عموما ومنها لبنان، وذلك تحت تأثير العلاقات الدولية المتزايدة التعقيد والفوضى، والقادرة على اثارة التوترات وتحويلها الى صراعات مُدمرة بكل ما للكلمة من معنى، وتؤدي إلى أنظمة ومؤسسات ضعيفة لا تُنتج مجتمعات وحكومات غير قادرة على أداء الوظائف الأساسية.
المُقلق انه رغم من ارتفاع مستويات التوتر، فإن السؤال الذي لا يزال مطروحا هو متى ندرك كلبنانيين مدى خطورة الانزلاق إلى سجالات داخلية تزيد التصدعات، وأن حماية لبنان في هذه المرحلة الدقيقة لا تكون في صوغ الخطاب السياسي بمفردات قانون الانتخابات والصوت التفضيلي او الحاصل الانتخابي، بل ببصيرة سياسية تؤكد ان "الوحدة الوطنية" ليست استحالة ولا هي معادلة صعبة التحقيق!
مما لا شك فيه ان السنوات السابقة كانت صعبة على لبنان وشعبه ومؤسساته، خصوصا منذ اندلاع الاحداث في سوريا. ولقد نجحنا بشق النفس في منع تدحرج كرة النار إلى لبنان بسبب الحكمة التي اتسم بها بعض القادة السياسيين، وتضحيات المؤسسات الأمنية. وليس خافيا على أحد ان الإتجاه الدولي كان مع تحييد لبنان عن هذه الحرب. لكن لا يمكن الركون دائما الى الغير لتأمين الاستقرار الداخلي بكل اشكاله. وهذا الأمر يتطلب مناعة كافية في ميادين السياسة والأقتصاد والامن والقضاء والادارة.
حاليا، هناك قلق من ان تتجه الاوضاع الداخلية الى تعقيدات متشابكة ومقلقة تماشيا مع ما يدور في المنطقة، فيما تستمر التهديدات والخروقات الإسرائيلية على وتيرتها التصاعدية، خطابات التباعد السياسي تزداد زخما تحت وطأة الانتخابات النيابية المقبلة اوالحسابات الضيقة المحكومة بروحية الغاء الآخر. وبين هذا وذاك، هناك ملف النزوح السوري وتداعياته الثقيلة جدا على لبنان واللبنانيين حتى صار يُشكل مادة انقسام إضافية.
عمليا، لا يمكن حماية لبنان في المرحلة المُقبلة إذا استمرت الحال على ما هو عليه الآن. هناك ضرورة قصوى لاستظلال عنوان الحكومة والعمل بموجبه، أي "بناء الثقة" بين مختلف الافرقاء والقوى، لأنه إذا نزل شيء بلبنان فسيكون على اللبنانيين كلهم. وهذا يستلزم جهدا في الاقتصاد كما في السياسة والأمن. ليس معقولا ان يستمر البلد في ظل تراجع الاقتصاد والاستثمار الأجنبي وعدم وضع خطط للتطوير الصناعي والانتاجي على انواعه، ناهيك عن ارتفاع معدلات الدين العام والبطالة، مع حديث عن ان تحويلات المغتربين قد لا تكون في منأى عن التراجع، فضلا عن ركود في قطاعي العقارات والسياحة.
الثابت انه في ظل كل التطورات والتعقيدات التي زادت تأزم السنوات السابقة، فإن لبنان أمام مرحلة جديدة مفتوحة على الكثير من الاحتمالات غير الواضحة، لا يمكن التصدي لها إلا بالتعقل وبروح المسؤولية. هي مسؤولية ملقاة على عاتق جميع اللبنانيين الذين عليهم التأسيس والبناء على المساحات المشتركة ونقاط التلاقي، ونبذ الفوضى وحتى الاختلافات السجالية التي تستنزف الطاقات ولا تنتج غير الفساد السياسي والتردي على كل المستويات.
بقلم المدير العام للامن العام اللواء عباس إبراهيم - افتتاحية مجلة الامن العام