إستقالة رئيس الحكومة بين النص الدستوري والواقع

09-11-2017 جهاد إسماعيل

قد يكون الدستور اللبناني لا يسمح لرئيس الجمهورية رفض إستقالة رئيس الحكومة، أو الإعتراض على الشكليات التي رافقت الإعلان عنها، باعتباره لا يشير إلى شكل وكيفية تقديم الإستقالة، لكن البحث في حيثياتها وظروفها، أو في السياق الدستوري العام، لا يحجب أوضاعا وأحكاما خاصة جراء هذه الحالة، بشكل يجيز لرئيس الجمهورية تعليقها لا بل إيقافها، بسبب توافر العناصر أو الظروف التالية:


- سندا للعرف ، كمصدر من مصادر القاعدة الحقوقية، جرت العادة على أن يقدم رئيس الحكومة الاستقالة شخصيا وخطيا إلى رئاسة الجمهورية، ما يلزم رئيس الحكومة، وفقا للعرف، تقديمها خطيا، وإلا يترتب على مخالفته، الحكم بعدم صوابية الإجراء المشكو منه.


- لما كانت الإستقالة، لا تندرج - من حيث المضمون والظرف - في دائرة حالات الإستقالة العادية والمألوفة، ولما كانت قد شكلت سابقة في الحياة السياسية والدستورية، فإن تطبيق الأحكام الدستورية العادية على مصاديقها ليس بالأمر السليم، تبعا لتوافر شروط الظروف الإستثنائية، إذ أن الفقه والإجتهاد- كما الدستوري قياسا على القانون الإداري - استقرا على ان ليس للشرعية من تطبيق في حال الظروف الاستثنائية كما يقتضي فعله في الظروف العادية، لأن من العبث - بمكان - تطبيق القواعد والاحكام السائدة في الحالات العادية، لا سيما إذا تعلق الأمر بإستقالة رئيس حكومة في ظروف غير مألوفة، لأنه لا يجوز التفريط بسلامة المؤسسات، تحت وطأة غموض النص، لصالح مواقف عبثية حيال مصالح البلاد والعباد.

-بموجب المادة 53 من الدستور، الفقرة 5، رئيس الجمهورية هو الذي يصدر منفردا مرسوم قبول الإستقالة، ما يعني أن إكتمال المفاعيل لا يتحدد الا بإجراء آخر، وهو مرسوم من قبل رئيس الجمهورية، علاوة على ان الدستور لم يلحظ وجود مهلة معينة لدى رئيس الجمهورية لقبول إستقالة رئيس الحكومة أو رفضها، وهذا على خلاف ما ذهب إليه البعض من الساسة.


- لما كان الدستور، لا يجيز لرئيس الجمهورية أن يلجأ، على اثر قبول الاستقالة بمرسوم، الا لخيارين، تكليف رئيس الحكومة بتصريف الاعمال، أو الاتفاق مع رئيس المجلس النيابي بإجراء استشارات نيابية جديدة من اجل تكليف رئيس حكومة جديد، ولما كان الخيار الاول ليس موفقا، تبعا لغياب رئيس الحكومة المستقيل ولو سياسيا، وأن الخيار الثاني ليس من شأنه الا تقديم مادة مجانية للجهات الضاغطة على الرئيس المستقيل بعد اضفاء الشرعية على تدخلها في الشؤون الداخلية لدولة اخرى، بما لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي أو الاعراف الدولية، فإن من المنطق السيادي والسياسي، تعليق قبول الاستقالة إلى حين جلاء الحقيقة والقيام بالأصول الدستورية المتبعة.

بناء عليه، تعتبر ممارسات رئيس الجمهورية، إزاء واقعة الإستقالة وملابساتها، بالإضافة إلى الأصوات الداعية إلى الإنتظار واشاعة الإنتظام والاستقرار، في غاية المسؤولية، فهل سيعود الرئيس المستقيل إلى المسؤولية ويقطع الغيبة الصغرى ،أم انه سيعود مجددا إلى الغيبة الكبرى؟