حرب العين والمخرز

07-11-2017 مازن عبّود

لا اعلم بالتحديد ما هي الاسباب الحقيقية وراء استقالة الرئيس الحريري المفاجئة التي اتت بشكل غير معهود، من ارض ليست بارض الوطن الذي ينتمي اليه، وعلى شاشة ليست بشاشة لبنانية حتما، ولأسباب معظمها اقليمية تتعلق بالصراع مع ايران لكن بتداعيات محلية.

لا اعلم ما اذا كانت استقالته قد اتت نتيجة دراسة وتمحيص، ام انه اريد لها ان تكون بتوقيتها بحجم قنبلة او اغتيال كي تشكل رسالة لا بل عقوبة له ولنا كلبنانيين؟
رسالة شكلت صفعة لنظام بلدنا، وتمهيدا للانتقال من مرحلة الاستقرار المالي والسياسي النسبي الى مرحلة الضغوط والفلتان والفوضى.
استقالة مسجلة من مكان مجهول كانت بمثابة اعلان حرب.
ما اعلمه بأني كنت اتفهم مثل هذا التدبير كمواطن، لو انه لم يأتي في مثل هذا الظروف المكانية والزمانية. تدبير كنت لأتفهمه لو انه لم يؤدي الى كل تلك الموجات والحملات والاخبار والصور على وسائل التواصل الاجتماعي التي اغرقت الناس في بحور التكهن.
ما جرى ويجري يشكل صفعة لكرامتي كلبناني بمجرد اني شعرت واشعر بانّ رئيس حكومتي استقال في ظروف غامضة بعيدا عن بلده. لا اريد ان اعتقد بانه قد اجبر على الاستقالة. لا اريد ان استنتج بانه كان يرتكز على الارض بفعل جاذبية التوازنات حصرا دون قوة ثقتنا ودعمنا له. لا اريد ان اصدق ما يشاع بأنه لم يكن حتى عنصرا بسيطا في المعادلة.
ما يزعجني هو رسالة وصلت، وقد قرأت فيها: "اننا نلهو بكم وعندكم كما نريد، وها انّ رئيس الوزراء قد اخطأ فاستعدناه واحتفظنا به". لا اريد ان يكون شعوري في محله كي لا اقول بانّ ما جرى يشكل سابقة خطرة وانتهاكا للنظام الدولي المعمول به.
تزعجني الاستقالة، ويزعجني اكثر ما بعد الاستقالة. يزعجني تحطيم صورة رئيس حكومتي، ويزعجني اكثر تحطيم الآمال في نفوس الناس بإمكانية قيامة البلد في المدى المنظور، ومحاولة تهشيم كرامتنا وصورتنا.
فانا لا اريد ان ننتقل من مرحلة حكم الساسة غير الرشيد الى مرحلة حكم التفكك والتطرف غير المحمود.
حبلت في كل الخليج والشرق الاوسط ، فولدت زلزالا في لبنان. لم تنطبق حسابات حقل الدول للعهد مع حسابات بيدر الجردة مع افول العام الاول. فالرئيس لم يتغيّر، ولم يغيّر موقفه او موقعه بعد عام من توليه الرئاسة. فكانت النتيجة زلزالا وصفعة واعادة لبنان الى ساحة الوغى، بعد سقوط الرهان.
ما جرى، قد جرى لانّ المطلوب تحجيم من خرج من الحروب السورية معادلة اقليمية ودولية. معادلة صارت اكبر من ان تحتويها حكومة او رئيسها. فكان ان فجرت الحكومة في محاولة لتفجير البلد.
عام مضى من اعوام عهد جديد. عام مضى وما يريدونه هو ان نستسلم للقدر، وقدر هذا البلد رسمته جغرافيته التي جعلته في عين عاصفة الاطماع. لا اعلم اذا ما كان يتوجب علينا ان نقول كلمتنا ونمضي، ام نبقى نتحدى من هنا القدر، ونعلن حرب مواجهة العين مع المخرز.
نعم سنعلن حرب البقاء في ارضنا، ولن نهجر ساحة معركة العين مع المخرز المقدسة. وسنردد مع الرئيس روزفلت مقطعا من مقاطع خطابه "المواطنة في جمهورية" الذي القاه في جامعة السوربون في نيسان من العام 1910. سنقول لكل من يترصد بالبلد شرا بأننا لن نكتفي بانتقاد ما هو باطل والمضي. سنبقى في الحلبة نصارع بكبر من اجل قضيتنا حتى لو فشلنا. فلا نحسب بين النفوس الباردة والفاترة التي لم ولن تعرف طعم النصر او مرارة الهزيمة.