مفاعيل استقالة الرئيس سعد الحريري وتداعياتها ومعانيها بخلفياتها

05-11-2017 جورج عبيد

ما هي مسوّغات استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة وما هي التداعيات المنتظرة من تلك الاستقالة؟
من قرأ بيان الاستقالة أو سمعه مباشرة على شاشة العربيّة، وهي الشاشة المتحركة إعلاميًّا في قلب الفلك السعوديّ، لفت نظره الارتياب الكبير الظاهر على وجه الحريري ومحيّاه وهو يتلو البيان كما التلعثم في الكلمات والتبعثر في النظرات والتعثّر في التطلعات. فالخطاب في الشكل والمضمون كما وصفه مرحع سياسيّ كبير فتنويّ، وبرأي مطلعين، سعد الحريري منذ دخوله جنّة الحكم من باب التسوية واستوائه على أريكة رئاسة الحكومة خلا من هذا الجوهر الناريّ واتجه نحو جوهر جديد بإمكانه أن يحافظ على لبنان خارج الفتنة، فكيف عاد إلى تلك اللهجة النارية التي كادت تفقد من قاموسنا وأدبياتنا السياسية؟ وطبقًا لذلك يتبيّن بأن ليس أكيدًا أنّ سعدًا هو من كتب البيان المتمرّد على اللحظة التسوويّة والميثاقية الهادئة، وقد كان علي أكبر ولايتي زائره البارحة وخرج من داره بتصريح داعم للحكومة برئاسته، وقد بدأت معلومات ترد إلى الداخل اللبنانيّ بأنّ السعوديين استاؤوا من استقبال الحريري لولايتي، فيما معلومات أخرى ظهرت من مصادر موثوقة بأن تامر السبهان كان يعبّد الطريق منذ أكثر من خمسة أشهر باتجاه الوصول نحو الاستقالة ومحاولة إحراج رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بها.
بعض المصادر المواكبة للواقع السياسيّ الداخليّ، توقفت عند هذا الحدث الخطير حتمًا بمضمونه ودلالاته ومعانيه، وأظهرت ما يلي:
1-لم يكن في الأصل منتظرًا صمود التسوية (تسوية الأقوياء)، في ظلّ انقسام عموديّ حاد بالأهداف الاستراتيجيّة الناشئة من نتائج الحرب في سوريا وانعكساتها على الداخل اللبنانيّ. فالتسوية ولدت في الأصل هشّة بين خطابين منفصلين في العمق، فبتنا مستولدِين بهما لمقولة جورج نقّاش الشهيرة: نفيان لا يؤلفان أمّة واحدة Deux Négations ne font pas une nation، ذلك أنّ الخيارات الإقليمية والدولية والعربيّة المتمزقة فيما بينها لا تزال متحكمة في الخطاب السياسيّ الداخليّ ضمن ثلاث محاور أساسيّة:
-محور العلاقة بين التيار الوطنيّ الحرّ وتيار المستقبل.
-محور العلاقة بين حزب الله وتيار المستقبل.
-محور العلاقة بين القوات اللبنانية والتيار الوطنيّ الحرّ. فيما الحزب التقدميّ الاشتراكيّ بلسان زعيمه وليد جنبلاط دعا لحوار إيرانيّ-سعوديّ يخفف من وطأة الاحتقان والتمزّق، وينقذ لبنان من تلك اللحظة ودعوة جنبلاط في ظلّ الاصطفافات المحتقنة والمتحكمة وصولاً إلى تجسّدها مع استقالة الحريري وصفها المطلعون بأنّها الأهدأ والأصلح.
2-على الرغم من الإيجابيات الصادرة عن التيار الوطنيّ الحرّ وحزب الله، بخطاباتهما السياسيّة تجاه الرئيس الحريري لا سيّما خلال عمليّة فجر الجرود وسواها من أمور وردت بصورة علنية، فإنها (أي الإيجابيّة) لم تجد إنسيابيّتها نحو تطلعات الحريري في بناء علاقة ثقة مع حزب الله على وجه التحديد يرنو من خلالها نحو ما هو بعيد، علمًا أنّه في مطلع حكمه حتى ما قبل الاستقالة كان يتكلّم بإيجابية، غير انّ علاقة الثقة تتوجّب عليه أن يقفز نحو المنحى الاستراتيجيّ البعيد من باب معرفته بنتائج الحرب في سوريا وعليها.
3-لا يملك سعد الحريري القدرة على التحرر والوقوف في مكان يسمح له بإبداع مبادرة حواريّة جديّة بين السعودية وإيران، فهو جزء من محور، وقد دخل التسوية الداخليّة كجزء من محور، علمًا ان هذا المحور قد لفظه واستهدفه بصورة شخصيّة من بعد أن تمّ إفلاس سعودي-أوجيه.
مشهد لبنان ما قبل استقالة سعد الحريري غير ما سيكون عليه ما بعد الاستقالة، فقد أمست لحظة جديدة ومعطى جديدًا احتشدت في جوفه وبين سطوره المراحل الماضوية ضمن المزاج السعوديّ والتكتكيك السعوديّ، وقد ظهر ذلك من خلال تعليقات الصحافي السعودي محمد الساعد أو نائب رئيس تحرير صحيفة عكاظ جميل الذيابي وتصريحات تامر السبهان، بعيد إعلان الرئيس الحريري عن استقالته ليعيدوا المشهد اللبناني إلى محطات الانقسام والانشطار العموديّ الكبير، بمحاولة التعبئة الممارسة ضد حزب الله بالخلفيّة المذهبيّة.
تشير بعض المعطيات وفي هذا السياق، بأن الضغط السعوديّ متجه نحو التصعيد بحدوده القصوى، بعدما احترقت أوراقه بمعظمها في الساحات التي اشتدّ فيها الصراع سواء في سوريا والعراق واليمن والبحرين. لا يستطيع السعوديون الضغط على تلك الساحات إلاّ من لبنان باستهلاكه وتحويله ساحة احتراب بينها وبين إيران بواسطة اللبنانيين وبالتحديد بواسطة السنّة بوجه الشيعة، إذا قدرت على استثارة هذا المناخ. وفي الوقت عينه فإنّ السعوديّة ساءها تفوّه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بخطابات دعا فيها إلى طاولة عربية-عربيّة تناقش فيها الدول العربيّة بلا تحفظ الواقع العربيّ الممزّق، وساءها دفاع الرئيس المستميت عن سلاح المقاومة بمفهومين واضحين: "مفهوم القتال الردعيّ" وهذا على الحدود مع إسرائيل، ومفهوم "القتال الاستباقيّ" على الحدود مع سوريا وفي الداخل السوريّ وهو ما ادّى إلى انتصار كبير على تنظيم داعش وجبهة النصرة كان مشهدها الأخير واضحًا للعيان في معركة فجر الجرود.
من ضمن هذا السياق لا شكّ بأن اعتراف رئيس الحكومة القطريّ ووزير الخارجية الأسبق حمد بن جاسم كان له التأثير الأوسع أيضًا من خلال الفضح التفصيليّ للسعودية بالدور والممارسة مع الأميركيين والأتراك وبالأسماء ولا سيما بالتسليح والتمويل والتموين والرشى في الحرب على سوريا، وقد ذكر بن جاسم سعد الحريري بتشريح دوره في الحرب في سوريا بغية إسقاط النظام وتمويل القوى المعارضة ومساعدتها في عمليّة إسقاط النظام. نحن، وبحسب ما هو باد، في المرحلة الأخيرة من الأزمة، وفيها يكثر وكما يقال في العاميّة "حكّ الركب". بيان استقالة الحريري، يتضمّن في متنه، فيما هو معلن ومستتر بين السطور ومضمر في النفس كلّ هذه الرؤى، وتحاول السعودية من خلاله، فرط عقد الاستقرار الأمنيّ مع محاولة فرط العقد السياسيّ الناتج من تسوية وإن جاءت هشّة بل شديدة الهشاشة. وتجمع أوساط سياسيّة، بأنّ السعوديّة تدرك بأنّ الانتخابات النيابيّة في لبنان ستكتب بهذا القانون فصلاً جديدًا لهذا العهد بأكثرية موصوفة، وبأنّ تيارها وحلفاءها في لبنان سيخفقون عن نيل الأكثرية، وبأنّ نتائج المعارك في سوريا ستكون مكنونة في متنها، وهي لصالح محور الممانعة، فقادت سعدًا لتقديم استقالته ظنًّا بأن تلك الاستقالة ستربك رئيس الجمهورية وحزب الله، وتحدث الندوب والشحوب والثقوب في الفلسفة الميثاقية التي ناضل التيار الوطنيّ الحرّ في سبيلها، المملكة تلعب ورقتها هذه على المكشوف بعيدًا عن الستر والتستّر. لقد افتضحت المملكة في الحقيقة بهذه النوعية غير الواقعيّة ولا المتوقّعة ولا الحكيمة ولا المسبوقة في التاريخ اللبنانيّ من الاستقالات لرؤساء الحكومات، إذا إنّ الدستور والاحترام يقتضيان بأن يقدّنم رئيس الحكومة استقالته في بلده، ويقدمها باليد لرئيس الجمهوريّة معلّلاً ومبرّرًا الأسباب الموجية والدواقع لها. وليس هذا مفاجئًا فتامر السبهان كان يعد العدة لها، وقد قال إنّ مواقفه تعني دولته.
إلاّ أنّ مصادر سياسية رفيعة المستوى أظهرت بأنّ رئيس الجمهورية العماد عون مصرّ على إتمام الانتخابات في موعدها المحدّد ولن يسمح بأن يقع لبنان ضحية الضغوط والأفخاخ، لن يستجيب الرئيس لأيّة محاولات تقود لبنان نحو فتنة تجوّفه من الاستقرار وتبطل فيه التوازن لتقوده من جديد نحو التلاشي. وبرأي بعض الأوساط، فإنّ لبنان بعد استقالة سعد الحريري يقع بين ثلاث خطوط واضحة:
أ-إجراء انتخابات في موعدها المحدّد، يفوز فيها من يفوز وفقًا للنسبية والصوت التفضيليّ.
ب-إعادة النظر في اتفاق الطائف من الزاوية التطبيقية وتمتين قاعدته الميثاقيّة بالنصوص وليس بالأعراف.
ج-الاتجاه نحو مؤتمر تأسيسيّ لبنانيّ لا يتوقف عند حدود الطائف بل عند حدود النظام السياسيّ وتموضعه ضمن فلسفة جديدة تحفظ توازن كلّ المكونات وتؤدي إلى اندراجها في خطاب المواطنة.
ولنا مع الأيام القادمة مواعد جديدة في مواجهة مفاعيل الاستقالة. والمواجهة ستتحدّد بما سيعلنه رئيس الحكومة المستقيل بحال جاء إلى لبنان وسلّم الاستقالة مباشرة إلى الرئيس، وطريقة تعاطي الرئيس والقوى السياسية معها وغالب الظن ان المناخ متجه لمواجهة فلسفتها بفلسفة ميثاقية متينة تحافظ على الدولة والكيان ولا تسمح بالاتجاه بهما نحو التمزّق مهما غلت الأثمان وعلت. فلبنان أكبر وأغلى وأعلى من الجميع ومن الدول اللاعبة بمصيره وسيبقى وكما قال شاعر لبنان العظيم سعيد عقل رحمه الله شاء بعضهم أو لم يشاءوا "فاصمد لبنان ما بك وهن".

جورج عبيد