متى تنتهي الحرب العالمية الأولى

05-11-2017 الراي
خيرالله خيرالله

قيل الكثير على هامش مئوية وعد بلفور. لكنّ هناك أمورا لم تقل. بين الامور التي لم تقل انّه ليس صحيحا انّه لم يكن هناك وعي عربي، لدى البعض فقط، لخطورة عدم ادراك المعنى الحقيقي لـ«اعلان» مقتضب من 67 كلمة. انّه «اعلان» صادر عن وزير الخارجية البريطاني آرثر بالفور في الثاني من نوفمبر 1917.

كان «الإعلان» الذي ما لبث العرب ان سمّوه «وعد بلفور» موجّها الى الحركة الصهيونية عبر احد زعماء اليهود البريطانيين لورد بالفور. بعد 31 عاماً من صدور «الوعد»، اعلن قيام دولة إسرائيل. قبل ذلك بسنة، أي في العام 1947، كان قرار التقسيم الذي رفضه الفلسطينيون والعرب وكان تقسيما لارض فلسطين بين العرب واليهود. اعطى قرار التقسيم العرب اكثر بكثير مما يطالبون به الآن وذلك بعدما صارت إسرائيل الحالية تعتبر الضفّة الغربية المحتلة «ارضا متنازعا عليها» وليست ارضا محتلة في العام 1967.

ما لم يُقل في مناسبة مئوية «وعد بلفور» انّ هناك عربا تحلّوا بحدّ ادنى من المنطق. هؤلاء سعوا، وان في مرحلة متأخّرة الى الحد من اضرار رفض قرار التقسيم والدخول في حرب 1948 التي تلت «اعلان قيام دولة إسرائيل». على رأس هؤلاء كان الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. دعا «المجاهد الأكبر» في الثالث من ابريل من العام 1965 من مدينة اريحا في الضفّة الغربية، التي كانت لا تزال تحت السيادة الأردنية، الى اعتراف العرب بقرار التقسيم والدخول في مفاوضات على اساسه. لا يزال خطاب بورقيبة الذي سبق هزيمة 1967 بأكثر من عامين عنوانا لما يجب ان تكون عليه شجاعة السياسيين الذين يرفضون بيع شعوبهم الاوهام والمتاجرة بالفلسطينيين وقضيتهم.

من المفيد العودة الى ما قاله بورقيبة في اريحا العام 1965. لم يعجب كلامه الفلسطينيون الذي خونوه، وذلك بعدما اعتبر جمال عبدالناصر ان كلامه «يعني التعايش السلمي مع إسرائيل». ذهب الفلسطينيون الى اعتبار كلام بورقيبة «خيانة عظمى» من منطلق انّه قال الآتي: «ما كنا لننجح في تونس خلال بضع سنوات لولا اننا تخلّينا عن سياسة الكلّ او لا شيء وقبلنا كلّ خطوة تقرّبنا من الهدف. امّا هنا، فقد ابى العرب الحلّ المنقوص ورفضوا التقسيم وما جاء في الكتاب الأبيض ثمّ اصابهم الندم واخذوا يرددون ليتنا قبلنا ذلك الحل».

في 1965، لم يكن في العالم العربي سوى زعيم واحد هو عبدالناصر، الضابط المتعطّش للسلطة، الذي لم يمتلك اكثر من ثقافة جدّ متواضعة جعلته عاجزا عن فهم معنى خروج الجاليات الأجنبية من المدن المصرية بعد تأميم قناة السويس في العام 1956... ومعنى اجبار الولايات المتحدة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الرضوخ لارادتها في تلك المرحلة.

جاءت هزيمة 1967 لتعطي الحقّ كل الحق لبورقيبة الذي استضافت بلده القيادة الفلسطينية بعدما طردتها إسرائيل من لبنان في 1982. لم يجد القادة الفلسطينيون مكانا يذهبون اليه بعد مغامرتهم اللبنانية سوى الى بلد من ارتكب «الخيانة العظمى» في حقهم!

في غياب عبدالناصر، استطاع أنور السادات ادخال بعض المنطق الى العقل العربي، لكن الساعين الى وراثة عبدالناصر كانوا كثرا. وضعوا ياسر عرفات في الاسر ومنعوه من اللحاق بركب السادات الذي استطاع استعادة الأرض المصرية المحتلّة في 1967. ما ينساه معظم الناس ان قمة كامب ديفيد في سبتمبر 1978 اسفرت عن اتفاقين وليس عن اتفاق واحد ادّى الى المعاهدة المصرية - الإسرائيلية في مارس 1979. كان الاتفاق الآخر يتعلّق بالفلسطينيين والضفّة الغربية التي كان لا يزال عدد المستوطنات الإسرائيلية فيها محدودا.

زايد حافظ الأسد وصدّام حسين (احمد حسن البكر كان رئيسا للجمهورية في العراق، لكنّ صدّام كان الرجل القوي) على السادات في أواخر سبعينات القرن الماضي. كان كلّ منهما يحلم بوراثة زعامة عبدالناصر، حتّى لو كان ذلك على حساب فلسطين والفلسطينيين. لجآ الى تهديد الزعماء العرب الآخرين الذين لم يجدوا ما يفعلونه سوى الانضمام الى التوجه العام لعزل مصر.

لعب حزب البعث الذي حكم سورية والعراق دوره في تكريس التخلّف العربي قبل ان يسلّم راية المتاجرة بفلسطين الى ايران الخميني التي ورثت بالفعل زعامة عبدالناصر بفضل الجسر الى لبنان الذي امّنه لها حافظ الأسد مطلع ثمانينات القرن الماضي.

ما ميّز كلّ مرحلة من المراحل التي تلت صدور وعد بلفور هو سيطرة الصوت العربي العالي، والآن الصوت الايراني، على كلّ من يتحدّث بلغة العقل. لذلك لم يسمع العرب يوما لما يقوله الملك حسين والملك الحسن الثاني، رحمهما الله. كان الفلسطينيون في كلّ وقت عاجزين عن الذهاب الى النهاية في أي مسار ذي طابع سلمي قرروا انتهاجه. هذا لا يعني في ايّ شكل تجاهل السياسة العدوانية لإسرائيل التي تكشفها الرغبة في متابعة سياسة الاستيطان في الضفّة من جهة وعزل القدس الشرقية عن محيطها من جهة أخرى.

كتبت احدى الصحف البريطانية النافذة في ذكرى وعد بلفور ان الحرب العالمية الثانية انتهت، لكن الحرب العالمية الاولى لم تنته بعد، اقلّه في منطقة الشرق الاوسط. ولد سايكس - بيكو (1916) ووعد بلفور (1917) من رحم الحرب العالمية الاولى التي تخللها تقاسم القوى الاستعمارية، في ضوء انهيار الدولة العثمانية، لمناطق نفوذ في الشرق الاوسط الذي رسمت خريطته الجديدة بين البريطانيين والفرنسيين.

بعد مئة عام على وعد بلفور، لا يزال عدد الأسئلة اكبر بكثير من عدد الأجوبة. لا يزال السؤال الكبير: ما العمل بالشعب الفلسطيني الذي لا يزال حاضرا على الخريطة السياسية للمنطقة؟ هل يمكن الغاء شعب موجود لمجرّد ان وعد بلفور تحدّث عن «وطن يهودي في فلسطين» في حين لم يأت على ذكر الفلسطينيين، كشعب، بايّ شكل، مكتفيا بالإشارة الى «عدم الإساءة الى الحقوق الدينية والمدنية للمجموعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين»؟

لم تلغ كلّ التطورات التي شهدها الشرق الاوسط منذ 1917 الشعب الفلسطيني. لم تستطع اسرائيل التخلّص من هذا الشعب الذي ذهب ضحيّة الاوهام التي زرعها العرب في رأسه، وهي أوهام ارتدت في نهاية المطاف على العرب انفسهم، خصوصا بلدين هما سورية والعراق ذهبا ضحيّة عقدة عبدالناصر التي تحكّمت بحافظ الأسد وصدّام حسين ووريثتهما التي اسمها حاليا «جمهورية ايران الإسلامية».

في 2017، بعد مئة سنة على وعد بلفور، لا تزال الحرب العالمية الاولى مستمرّة. مع توسّع إسرائيل وايران ومع انهيار الكيانين السوري والعراقي، لا تزال المنطقة في حاجة الى ملحق لاتفاق سايكس - بيكو وآخر الى الكلمات الـ67 في وعد بلفور عن «وطن قومي للشعب الفلسطيني في فلسطين»... متى يصلح الخطأ ويعلن رسمياً عن انتهاء الحرب العالمية الاولى؟

خيرالله خيرالله - الراي