حماوة تصاعدية في انتظار الربيع

02-11-2017 الجمهورية
جوني منير

بعد مئة عام على وعد بلفور والذي ظهر من خلال رسالة بعث بها في 2 تشرين الثاني 1917 وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور الى رئيس الاتحاد الصهيوني في بريطانيا اللورد روتشيلد. وهذه الرسالة المؤلّفة من 67 كلمة فتحت الباب واسعاً أمام إدخال الشرق الأوسط في انعطافة كبيرة ومرحلة تاريخية حافلة بالاضطرابات والحروب واغتصاب الاراضي. وقد سبقت احتلال الجيش البريطاني لفلسطين التي كان عدد السكان اليهود فيها يومها أقل من 5 في المئة.
لكن وبعد قرن كامل من الزمن بدا أنّ واشنطن تدفع في اتّجاه تحقيق وعد جديد، وهو بأن تصبح إسرائيل جسماً طبيعياً في المنطقة وبلداً ينتزع حق الاعتراف به من الشعب الذي طردته منه، ذلك أنّ هناك مَن حضّر الظروف على مرّ العقود السابقة بحيث بات يشعر أنّ الظروف نضجت لتحقيق المستحيل.

ومنذ أيام زار صهرُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشارُه لشؤون الشرق الأوسط جاريد كوشنر المنطقة للمرة الرابعة خلال سنة واحدة على رأس وفد يضمّ نائبة مستشار الامن القومي للشؤون الاستراتيجية دينا باول ومبعوث الرئيس الاميركي الى الشرق الاوسط جيسون غرينبلات.

الزيارة التي لم يُعلن عنها رسمياً وبقيت بعيدة من التداول الإعلامي استمرّت أربعة أيام وتركّزت في اساسها بلقاءات عدة في المملكة العربية السعودية، لكنّ الوفد قام بزيارات سريعة شملت ايضاً إسرائيل والأردن ومصر.

وأولى نتائج هذه الزيارة تمثّلت في تراجع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن طرح التصويت على مشروع «القدس الكبرى»، الذي يقضي بضمّ 16 مستوطنة موجودة في الضفة الغربية الى «ملاك» القدس.

هذا المشروع الذي كان قد تمسّك نتنياهو به بشدة، والذي شكّل أحد ملفات القوة لديه في اطار اللعبة السياسية الداخلية أعطى الانطباع بوجود بديل مهم دفَعَه الى التراجع عن وعده المعلَن.

في المقابل، كشف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أنه تلقّى التزاماً أميركياً من غرينبلات بأنّ واشنطن ستعلن قريباً دعمها والتزامها «حلّ الدولتين»، ولكنّ الأهم ما التزمه عباس امام المسؤولين المصريين ونقله ايضاً الى غرينبلات أنه لن يقبل بتعيين أيِّ مسؤول من حركة «حماس» في حكومة الوحدة الوطنية لا يعترف علناً بإسرائيل.

وكان قد سبقت ذلك زيارةُ وزير المال الإسرائيلي لرام الله، وهي الثانية له خلال ستة اشهر. كل ذلك يؤشّر الى أنّ ثمّة شيئاً مهماً يُحاك بعيداً من التداول السياسي والإعلامي.

وبدا أنّ مصر التي التزمت ملفّ غزّة واتّفاق المصالحة بين حركتي «فتح» و»حماس» ببنوده المعلنة والسرّية، واثقة من أنها نجحت في إدخال حركة «حماس» في المسار الجديد. ولذلك هنالك مَن يقرأ في الغارة الإسرائيلية على النفق الفلسطيني والتابع لـ«الجهاد الإسلامي» و«حماس» ما هو أبعد من الاهداف العسكرية للعملية.

ففي أسبوع تسلّم السلطة الفلسطينية المعابر الحدودية لغزة من حركة «حماس» تمّ تنفيذ العملية وفق خطة لا تزال مبهمة في بعض تفاصيلها. فإضافة الى توجيه ضربة أمنية موجعة باكتشاف النفق وبطريقة ضربه، فإنّ اغتيال مسؤولين كباراً في «الجهاد الإسلامي» كانوا في النفق لحظة استهدافه مثل قائد الحركة في غزة، إنما يطرح علامة استفهام حول المصدر الذي زوّد إسرائيل المعلومات.

لكنّ الهدف الأهم من العملية يبقى اختبار موقف «حماس» إزاء التزام وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وتحديداً إزاء بنود المصالحة مع السلطة الفلسطينية برعاية مصر وإشرافها، والتي تضمّنت ما يتعلّق بسلاح «حماس» وطريقة استعماله.

وبعد حصول العملية لم تكن اسرائيل وحدها من جلس يراقب لحظة بلحظة ردة فعل «حماس»، بل ايضا مصر والأردن، وبالتأكيد السفارة الاميركية.

وقيل أن قيادة «الجهاد الاسلامي» إتصلت بعد العملية بقيادة «حماس» وألحّت على حصول ردّ عسكري فوري، لكن «حماس» دعت إلى التروي والتنسيق مع مصر قبل الانحراف في خطوة غير محسوبة، خصوصاً بعد الخطوات التي حصلت ومعاناة اهالي غزة من الواقع الاقتصادي المتردي.

من هنا جاء موقف رئيس المكتب السياسي لـ»حماس» اسماعيل هنية الذي قال: «نعتزم الردّ بقوة، لكن سيتمّ تأجيل الرد لأنّ المصالحة أولويّة والردّ هو بتسريع جهود المصالحة».

وبدا كلام هنية وكأنه يريد استيعاب ردّة فعل «الجهاد الاسلامي» والتزام بنود المصالحة، وهو ما يعني ضمناً الإقرار بالدخول في مرحلة جديدة. وفي الواقع بدت واشنطن واثقة من أنها نجحت في انتزاع مخالب «حماس»، أو بمعنى آخر أنها نجحت في إدخال «حماس» في مسار إخراج إيران من داخل غزة.

وعلى المحور الثاني في سوريا، تستمرّ الترتيبات الميدانية في موازاة مفاوضات تدور في الكواليس بين واشنطن وطهران عبر روسيا حول النفوذ والخريطة الجيوسياسية.

هذه المفاوضات لا تزال في بداياتها على رغم غرق واشنطن في النزاع الداخلي والذي أدّى الى شدّ الخناق حول رقبة الرئيس الأميركي، وهنالك مَن يعتقد أنّ الأزمة الخطيرة التي يعانيها ترامب والتي باتت تهدّد جدّياً استمرارَه في المكتب البيضاوي ستدفع به الى الإسراع اكثر في تحقيق إنجاز في الشرق الاوسط يستثمره في الداخل الأميركي. ما يعني أنّ الازمة في الولايات المتحدة الأميركية تعجّل في المسار التفاوضي ولا تعطله، أقله حتى الآن.

وبسبب هذا المزيج ما بين الأزمة الداخلية والمفاوضات المترافقة مع ضغوط متصاعدة، أسرعت القوى في المنطقة الى التقاط المكاسب على الأرض. ففي شمال العراق تسلّم الجيش العراقي المعابر الحدودية مع كردستان بإشراف مباشر من الأميركيين وبموافقة تركيا.

وهذه الخطوة تُكسب إيران أوراقاً جديدة وتجعل منها «منطقة» تلاقٍ بينها وبين الاميركيين.

لكنّ تركيا الطامحة الى دور كبير في شمال سوريا حاولت استغلال هذا الظرف لإنشاء قاعدة عسكرية لها غرب حلب. وبخلاف ما يعتقد كثيرون، فإنّ واشنطن لا تبدو موافقة على هذه الخطوة التي ستعطي دوراً واسعاً لتركيا في الشمال السوري، وهذا يتخطّى الدور المسموح لها، خصوصاً في ظلّ وجود مجموعات سنّية معارِضة لتركيا، هي اقرب الى السعودية، وهو ما تعنيه زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان الأخيرة للرقة.

وبخلاف ما هو معلن، نقلت صحيفة «الواشنطن بوست» عن قائد وحدة العمليات الخاصة المسؤولة عن القضاء على «داعش» في سوريا والعراق أنه تمّت زيادة عديد القوات الأميركية الموجودة في سوريا لتصبح أربعة آلاف جندي، وهو ما يعني تحضيرها لمهمات ترتيب المنطقة بالتنسيق مع القوات الروسية.

وفيما ستشمل المفاوضات مع إيران إنشاء منطقة مضمونة أمنياً لإسرائيل بعمق 30 كلم في الجولان، فإنّ الملفات الاخرى والتي تشمل مدى النفوذ العسكري والسياسي لإيران في سوريا موجودة على طاولة التفاوض.

وتجدّد الأوساط المطّلعة إقتناعَها بأنّ واشنطن قد لا تعترض في نهاية المفاوضات على ضمان إيران طريقها البرّي من طهران الى لبنان. ولكن قبل ذلك هنالك المفاوضات الصعبة مع «حزب الله» حول جنوب لبنان والقرار 1701 وتوسيع المهمات التنفيذية لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) وسحب «حزب الله» من سوريا.

لذلك تتصاعد الضغوط على «حزب الله» بغية إنهاكه وإيصاله مرناً الى المفاوضات. لكن ومن دون أن ننسى أنّ لهذه الضغوط حدوداً لن يجري تجاوزها تجنّباً لأيّ انفجار يُعرّض الاستقرار الداخلي اللبناني للخطر، وهو ما لا يريده أحد لا داخلياً ولا خارجياً.

ومن هذه الزاوية دخلت السعودية على الخط كونها قادرة على جعل هذه الضغوط أكثرَ فاعلية في وجه «حزب الله»، ولم تعد تغريداتُ السبهان في حاجة الى أيّ تفسير. لقد أضحت واضحةً وهو تولّى تفسيرَها بكاملها.

لكنّ النقطة أنّ الذين زاروا السعودية بدعوة منها بدءاً من الدكتور سمير جعجع والنائب سامي الجميل وصولاً الى الرئيس سعد الحريري سمعوا كلاماً واضحاً بضرورة وضع حدٍّ لـ«حزب الله»، او بمعنى اوضح «ركِّزوا هجومكم السياسي عليه».

وخلال لقاء الحريري بالسبهان، تمّ فتح هذا الموضوع بكلّ تفاصيله. الحريري الذي كان قد استعدّ جيداً طوال الأسابيع الماضية لهذا اللقاء، أبدى موافقته على لائحة الاتّهامات المُساقة ضد الحزب، لكنّه استطرد قائلاً إنّ الذهاب بعيداً في تنفيذ سياسة هجومية ضد «حزب الله» قد تؤدّي الى هزّ الاستقرار اللبناني الداخلي، وهو ما تريد المملكة كما العواصم الغربية تجنّبه.

وكان جواب السبهان بأنه صحيح أنّ المملكة متمسّكة باستقرار لبنان لكن يهمّها كأولوية استقرارها هي، فيما «حزب الله» يعمل من اليمن ومن غير اليمن على استهدافها أمنياً.

وبعد نقاش لم يظهر أنّ السعودية تريد هزّ الحكومة، بل ربما ترتيب واقع سياسي او خلق معادلة داخلية في وجه «حزب الله» لتقييد حركته وإضعاف الجبهة السياسية التي تناصره.

وفيما تكتّمت المصادر حول تطرّق النقاش الى سياسة العهد، إلّا أنها أوجزت المرحلة بالقول إنّ السعودية لا تريد مزيداً من التدهور في العلاقة مع الرئيس اللبناني ولو أنها لا ترى أنّ هنالك ما يؤشر مستقبلاً الى تحسين العلاقة.

في اختصار، تعتقد هذه المصادر أنّ الحريري سيعود بسياسة هجومية ضد «حزب الله» وباردة مع رئيس الجمهورية، ما يعني تدشين مرحلة جديدة مختلفة عن السابقة، لكنّ المناخ السياسي المحتقن شيء والمَسّ بالحكومة أو بمفاعيل التسوية التي رسا عليها لبنان مع وصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا شيء آخر، أي الشروع في ضغوط سياسية داخلية، ولكن بحدود عدم المَسّ فعلياً بمرتكزات التسوية السياسية، وهذا يعني إسقاط التحالفات الانتخابية لاحقاً وفق هذه الصورة الجديدة: تصاعد النزاع السياسي، ولكن من دون المَسّ بالاستقرارَين السياسي والأمني، وهذه السخونة ستأخذ منحىً تصاعدياً حتى الربيع المقبل موعد الانتخابات النيابية.

والاهم موعد البدء بالمفاوضات الأميركية مع «حزب الله» من خلال الدولة اللبنانية بعدما تمّ ترتيب المسرح للقنوات المطلوبة لذلك.
مرةً جديدة الصورة اللبنانية هي جزءٌ من اللوحة الإقليمية الواسعة ولكن حذارِ القراءة الخاطئة.

جوني منير - الجمهورية