اللاعنف، ثقافة منسيّة

02-11-2017 الأب د. نجيب بعقليني

يُحتفل في الثاني من شهر تشرين الأوّل من كلّ عام، باليوم العالميّ لللاعنف. يهدف هذا اليوم "لنشر رسالة اللاعنف، بما في ذلك عن طريق التعليم وتوعية الجمهور"، بحسب قرار الجمعيّة العامة للأمم المتّحدة. ويشدّد القرار على "الأهميّة العالميّة لمبدأ اللاعنف"، والرغبة "في تأمين ثقافة السلام والتسامح والتفاهم واللاعنف".

تمّ تعريف مبدأ اللاعنف "بالمقاومة اللاعنيفة"، أي برفض استخدام العنف الجسديّ، والبطش والقوّة، لتحقيق تغيير أو تحسين وضع اجتماعيّ أو سياسيّ.
يتوافق فكر المجتمع المدنيّ، على أنّ العمل اللاعنيف، هو نمط وأسلوب، يستطيع مواجهة اللامبالاة والسلبيّة، والخضوع الأعمى والضغط العنيف، كما الكفاح المستمرّ، لخوض القضايا، التي تهمّ المجتمع، من دون عنف. هذا لا يعني التهرّب من المسؤوليّة، أو تجنّب الصراع وتجاهله، بل استعمال الوسائل والقدرات السلميّة لتحقيق الأهداف، التي تصبّ في خانة تثبيت الحقوق، وبسط العدالة الاجتماعيّة، ممّا يؤدّي إلى سلام مُستدام.
يتخبّط عالمنا بشتّى أنواع العنف: اللفظيّ، الجسديّ، النفسيّ، الجنسيّ؛ ويمارس على جميع أفراد المجتمع، لا سيّما على النساء والأولاد. يطال العنف أغلب أفراد المجتمع : في الأسرة، في العمل، في الجامعات والمدارس، في الدوائر الحكوميّة وسائر المنظمات والمؤسّسات، وخلال المظاهرات والاحتجاجات والألعاب الرياضيّة (كرة القدم)، وبالتأكيد في الحروب. يأخذ هذا العنف، أشكالاً متعدّدة ومتنوّعة، ولكنّه يبقى عنفًا ضدّ الإنسانيّة بأجمعها، وضدّ فكرة الخلق ومشروع الخالق. ألا يمارس العنف داخل الأسرة؟ بين الرجل والمرأة، أي الزوج والزوجة؟ ما أسباب هذا العنف؟ لماذا يتفاعل تدريجيًّا وبحدّة؟ كيف نعالجه؟
يطغى بالمطلق على مجتمعاتنا روح السيطرة، والتسلّط وإلغاء الآخر، وفكرة الإقصاء والتحجيم، ممّا يعزّز روح الانتقام والكيديّة؛ وهذا الأمر يُسهم في التفريط بالشرائع والقوانين، والمبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة. تعاني المجتمعات من انتشار السلاح المتفلّت، وسوء استعماله، كما يشتكي الأفراد، من عدم تطبيق قانون المحاسبة، ومن بروز واعتماد آفة الفساد، ممّا يعزّز روح العنف وانتشاره بين الناس.
نعم، أصبح التعصّب والكراهية والإرهاب، من سمات هذا العصر، وهذا ما يعرّض حقوق الإنسان وكرامته، للانتهاك بشكل واسع ومستمرّ. فالقوانين الدوليّة والمعاهدات والاتّفاقات، معرّضة للتفكّك وللزوال، لأنّ عناصر الأنانيّة والغضب والشرّ، تفتك بالمفاهيم والتربية والأخلاق؛ حتّى إنّ كوكب الأرض، يعاني من أشكال العنف والتعديّ، كما مخلوقات الله، أي الإنسان والحيوان والنبات، والطبيعة عينها.
هل يمكن للإنسان أن يحصل على حقوقه من دون ممارسة العنف؟ أم عليه الاستسلام والخنوع؟ أم أنّه يفضّل اختيار العنف؟ يعيش بعض الناس في حيرةٍ، وأمام خيارات متعدّدة. هل يعطي خيار اللاعنف النتائج المرجوّة لقضايا المجتمع؟ أم عليه القيام بالخيارات الشاذّة والمؤذية؟ إنّ مفهوم اللاعنف، يعتمد على السلام الداخليّ والقدرة الذاتيّة، المبنيّة على الحياة الأخلاقيّة، والإنسانيّة والروحيّة. فاللاعنف هو انتصار على الذات، وعلى الغضب والشرّ، وحتى على الشيطان. إنّه سلاح يحتاج إلى الإرادة الصلبة، والنبل والشهامة.
أثبتت الوقائع أنّ العنف يجلب العنف؛ من هنا يُدرك الإنسان، أنّ العنف ليس العلاج الناجع لعالم مفتّت، بل إنّ الحوار والاحترام والاعتراف بالآخر، عوامل ووسائل لتحقيق الرحمة والمغفرة، من أجل البحث عن خير الآخر. يُطلب اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إعادة تثبيت مفهوم الأخوّة، وعيشها، من أجل حياة سليمة، ترفض منطق الخوف والعنف، والانغلاق على الذات، كما ترفض فكرة الإلغاء، وروح الإقصاء، والتهميش والعزل.
يبقى أسلوب اللاعنف، أقوى من العنف، لأنّ ذلك يؤدّي إلى السلام، الذي يرتكز على الحقيقة والعدالة، والحريّة والمحبّة وحتّى على المساواة بين الناس، بالرغم من الاختلاف. نعم، يحتاج عالمنا، إلى تفعيل مفهوم اللاعنف، الذي يجب أن يكون أسلوبًا، يميّز علاقات الناس، وخياراتهم وقراراتهم، وبالتالي يعزّز نبذ الصراعات والنزاعات، والاضطرابات والحروب بين الشعوب، اللجوء إلى حلّ أغلب المشاكل، والقضايا والخلافات، بالطرق السلميّة، عن طريق المناقشات والمفاوضات، والوساطات والحوارات، المبنيّة جميعها على اللاعنف.
نعم، إنّ روح الأخوّة، تساعد على إزالة الأسباب، التي تؤدّي إلى العنف والنزاع. إنّها تتغلّب على الأنانيّة والحسد، والابتعاد عن روح التسلّط، والحقد والانتقام.
نعم، إنّ الإنسان المملوء سلامًا داخليًّا، وهدوءًا، يستطيع أن يفيض بالسّلام الداخليّ والهدوء على الآخرين. لذا، علينا أن نربّي على اللاعنف، من أجل عالمٍ ومجتمعٍ، تسودهما المحبّة والرحمة والعدالة.
نعم لإعادة وتعزيز وإظهار ثقافة اللاعنف، في مجتمعٍ أضاعَ القيم، وابتعد عن المبادئ، إذ أنّ خلاص الإنسان، لا يتحقّق إلاّ بالسلام المبنيّ على الغفران والمسامحة، والعدالة الاجتماعيّة.
لنعمل معًا، من أجل مجتمع لا يلجأ إلى العنف، من أجل الحصول على حقوقه، بل على الأخوّة المعاشة يومًا بعد يوم، بالرغم من الهفوات والنواقص التي تشوبها، والضغوطات النفسيّة والخوف من المستقبل، وازدياد الأزمات الاجتماعيّة والعلائقيّة، والاقتصاديّة والروحيّة، كما طغيان روح الإرهاب والقتل.
لنعمل معًا، من أجل مجتمعٍ معافى، ترسم خطوطه العريضة محبّةٌ صادقةٌ وتكافل لا يملّ ولا يتعب.

2 تشرين الثاني 2017

الأب د. نجيب بعقليني
رئيس جمعيّة عدل ورحمة