السياسة الأميركية في الشرق الأوسط: وجهة نظر عربية

02-11-2017 المستقبل
طارق متري

عندما كنت في طرابلس الغرب أحاول المساعدة على توجيه ما يُسمّى الانتقال إلى الديموقراطية، غالباً ما كنت أواجَه بالحيرة التي ترتاب القادة السياسيين الليبيين تجاه السياسة الأميركية. وفي مرات عديدة، كانوا يسألوني عن معنى عبارة «القيادة من الخلف»، العبارة التي استخدمها مساعد لم يذكر اسمه ظنّ أنها للاحتفال بقرار (الرئيس الأميركي السابق باراك) أوباما الضمني بدعم تدخل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا. وعقب الانسحاب العسكري والاهتمام الضئيل في تثبيت الاستقرار في بلدهم، تساءل زواري بشكل مستمر عما إذا كانت الولايات المتحدة تفضل العمل قليلاً والانخراط أقل عندما استخدمت عبارة «البصمة الخفيفية». أولئك الذين نسبوا إلى الولايات المتحدة سياسة تدخل غير معلنة وكذلك الذين يعارضونها، كانوا قلقين من الانسحاب الأميركي ومصرين على حث واشنطن لزيادة انخراطها في إعادة إعمار ليبيا، وكانت لديهم شكوك متساوية، رغم الاختلاف في أسبابها، حول قلب السياسة الاستعمارية في الخارج. لم يصدقوا أن الولايات المتحدة وضعت قيادتها الأحادية للعالم موضع تساؤل. لقد مرّ بعض الوقت قبل أن يعلموا أن الرئيس الأميركي عارض مبدئياً وبشكل حاد أي تدخل في بلادهم وانتهى به الأمر بالتصرف عكس قناعاته الرئيسية، داعماً فرض منطقة حظر جوي لأنه ظن أن العملية ستكون نسبياً سهلة ومحدودة. الليبيون والعديد من العرب الآخرين واجهوا صعوبات في إدراك أن مقاربة أوباما للشرق الأوسط كانت بعيدة المنال منذ البداية: الاهتمام في الوصول إلى اتفاق مع إيران رغم أي شيء. وفي الوقت نفسه، فكّر في تحسين صورة الولايات المتحدة لدى العالم الاسلامي، ليس فقط من خلال إنهاء الحروب غير الشعبية بل بتجنّب نزاعات جديدة. بعد تفكيك العراق نتيجة الاحتلال في العام 2003، وهذا أقل ما يمكن وصفه، اختار أوباما في العام 2011 المغادرة من دون أن يكون قد ساعد بما يكفي في تصحيح الأضرار التي وقعت. وفي محاولة تجنّب سياسات التدخل المباشرة التي تؤدي إلى كوارث، مال أوباما نحو التطلع إلى المنطقة من العدسة الضيقة لمحاربة الارهاب. لقد وسّع نطاق عمليات القوات الخاصة والهجمات بواسطة الطائرات من دون طيار والحرب الالكترونية للحدّ مما كان يرى أنها تهديدات إرهابية ضد الولايات المتحدة.

اليوم، يستمر تفوّق الحرب على الارهاب و(الدولة الاسلامية في العراق والشام) داعش على وجه الخصوص، وفوق أو على حساب اعتبارات أخرى، في رسم ملامح مسار التدخل الأدنى في المنطقة. يبدو أن بعض القادة السياسيين في العالم العربي يطرحون، مع ما يلزم من تبديل، الأسئلة نفسها التي طرحها الليبيون عليّ، حتى لو كانت نظرتهم إلى السياسة الأميركية غير واضحة نتيجة عدم وضوح مواقف الرئيس الأميركي. وأكثر من ذلك، لم يكن سهلاً رسم خط تمييز واضح بين الانسحاب من الساحة العالمية والتصرّف بأحادية. إضافة إلى أنه ينظر إلى السياسة الخارجية الأميركية أكثر من السنوات السابقة، على أنها خاضعة للاعتبارات السياسية الداخلية التكتيكية. ويسود لدى أولئك الذين فشلوا في الاعتراف بأن الشرق الأوسط خسر كثيراً من أهميته في نظر الأميركيين، الاعتقاد بأن الرهانات الأميركية تفوق بكثير التأثير الحقيقي الذي يمارسه قادتها. وليس مفاجئاً أن النظرة إلى الأمور تتخلّف عن الوقائع المتغيرة. لا تظهر أرقام الاستطلاعات تغييراً حقيقياً لتفضيل الولايات المتحدة، أو عدم وجودها في العالم العربي. مثل هذا التوصيف القديم للدور الأميركي الغالب وفقاً للمنتقدين، والذي يعتبره الحلفاء والأصدقاء مخيباً للآمال، يتعارض مع وجهات النظر العربية حول التغيرات في مجتمعاتهم الخاصة.

قبل أقل من ست سنوات، أطلقت الانتفاضات العربية تغييراً غير متوقع في منطقة كانت تبدو مقاومة لها. ولبعض الوقت، التوقعات والآمال عززّت من هذه المسيرة. غير أن خيبة الأمل اليوم، رغم أنه يمكن فهمها، متسرعة وفي بعض الأحيان مدبّرة لتخدم هدف تبرير محاولات عكس مسيرة الانتقال وتغييرها، والانسحاب إلى سياسات ذات هوية دفاعية وتراجعية.

ورغم الشك والخوف، لا يمكن اعتبار التوق نحو الكرامة والحرية والمشاركة السياسية التي حفّزت الثورات ضد الأنظمة الاستبدادية الوطنية، عابراً. المطالبة الاجتماعية بالديموقراطية، وبغض النظر عن الفهم الغامض لها، واسعة النطاق. فالبنيات الوطنية غير المستقرة، وهشاشة التلاحم الوطني والهوية، التي تعزّزت أكثر مع الانهيار السريع غير المتوقع للأنظمة السابقة، مالت نحو الافراط في التأكيد على قوة الأكاذيب السابقة مقارنة مع الروابط المدنية التي هي من ركائز بناء المجتمع الديموقراطي. ولتفسير انفصاله عن المنطقة وعرض مفهومه الاجتماعي والانتروبولوجي للمنطقة، ذهب الرئيس أوباما بعيداً في تأكيده عبر تصريح شهير أن المبدأ التنظيمي في الشرق الأوسط هو القبلية.

من المؤكد أنه لا يمكن للمرء تجاهل عودة أو إعادة اختراع مبدأ الهويات دون الوطنية والقوى المركزية العاملة في العديد من الدول العربية. ويبدو أن العديد من أفراد المجتمعات وليس الأقليات فقط، فقدوا طموحهم نحو دولة للجميع. إنهم يتوسلون بنية نظام قادر على حمايتهم من المجتمعات الأخرى. والدول الضعيفة واستراتيجيات التحشيد السياسية والانتخابية تبرز الطائفية وتشجّع على إعادة ظهور خطابات المظلومية التي هي في الغالب عاطفية وهجومية.

والصراعات التي تقوّض ما تبقى من الدولة، أصبحت بالنسبة للعديد من الحكام في المنطقة، مصدراً للشرعية وسبباً للمزيد من سياسة ترسيخ والابتعاد عن معالجة المشاكل التي هم غير قادرين أو غير راغبين في معالجتها وحلها، كما في سوريا، العراق، ليبيا واليمن. بالتالي ليس مفاجئاً مشاهدة العنف وقد تحوّل إلى سياسة افتراضية.

قد يعتبر البعض أن القرار السياسي للولايات المتحدة الأميركية بالانسحاب من العالم العربي، يعني في الواقع، دعم القوى نفسها التي تدمر الدول العربية من الداخل. لا يمكن للمرء تجاهل إلى أي مدى أن الولايات المتحدة الأميركية ورغم ميلها إلى الانفصال عن العالم العربي، تبقى في صلب السياسات العربية. يستمر الأصدقاء والأعداء على السواء في بناء خطاباتهم وتحديد مساراتهم بناء على ما يفسرونه من نوايا واشنطن. المثال الصاعق هو النظام السوري الذي يزعم أنه يواجه الولايات المتحدة الأميركية، يراقب بدقة الرد الأميركي في كل مرة يتجاوز بافعاله الخط الأحمر. لم تكن روسيا لتشن حربها على الاراضي السورية لو لم تكن مقتنعة بأن معارضي النظام السوري، وبخلاف الأفغان في ثمانينيات القرن الماضي، لا يملكون دعماً حقيقياً من منافسهم الأميركي. دفع الانسحاب الأميركي الروس إلى الفراغ، ما أدى إلى تفاقم التوترات أثناء محاولتهم فرض حلول تدريجية.

وفي ما يتعلق بالصراع العربي - الاسرائيلي، تتموضع روسيا بشكل تدريجي على شكل وسيط خجول وصامت. وإلى جانب حق تقرير المصير واستقلال الفلسطينيين، الذي هو لب الصراع، لا يبدو إن الموقف الرئيسي الذي انتهجته منذ العهد السوفياتي يؤثر على الانفتاح على اسرائيل وربما الاتفاق الضمني الذي توصلت إليه معها حول سوريا. وهذا الموقف المتناقض قد يستمر على الأرجح طالما أن السلبية الأميركية مستمرة. قد لا توجد مؤشرات توحي عكس ذلك.

تصرّف الرئيس أوباما مع العناد الاسرائيلي وخيبة الأمل العربية بطريقة عكست انفصال سياسته الخارجية في الشرق الأوسط. ورغم أنه لم يتخلّى كلياً كما فعل في قضايا أخرى مثل سوريا، إلا أن رغبته في تحقيق خرق، ومهما كانت حقيقية، كانت موسمية. في بعض الأوقات كان يضغط على إسرائيل، لكن محاولاته القصيرة النفس لم تسر بشكل جيد. لقد اعترف بأن أنشطة الاستيطان الاسرائيلية قوّضت عن سابق تصور وتصميم حل الدولتين، لكنه انتظر حتى كانون الأول 2016 للسماح بصدور القرار 2334 عن مجلس الأمن الدولي للتعبير عن الالتزام الدولي بالمحافظة على فرص قيام دولة فلسطينية.

هذا القرار الذي صدر مع بعض الجلبة، وصفته القيادة الفلسطينية اليائسة بأنه «ضربة قوية للسياسات الاسرائيلية». بالمقابل، أكد العديد من الفلسطينيين والعرب بأن القرار جاء أضعف من القرارات السابقة مثل القرار 564 وأن العديد من بنوده لا يمكن تطبيقها بمعنى أنها تخلو من أي آلية لاجبار إسرائيل على الالتزام به. لكن هذا القرار لم تكتب له الحياة بعد صدوره، والإدارة الأميركية لم تلتزم به بأي شكل من الأشكال. على العكس من ذلك، هناك خطر متصاعد بالتوقف عن البحث عن السلام استناداً إلى إنهاء الاستيطان والاحتلال، وعوضاً عن ذلك يمكن التوصل إلى سلام فقط في حال قدمت الولايات المتحدة المساعدة عندما يكون الاسرائيليون والفلسطينيون جاهزين لعقد صفقة. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية تعتقد أن الخوف من إيران سيشكّل ارضية مشتركة كافية بين إسرائيل ودول الخليج العربي لكي يشبكوا أياديهم معاً من أجل حل القضية الفلسطينية. والفرضية المسهلة التي يتم تداولها حول رغبة هذه الأنظمة في الاستيعاب والصبر، هي اعتبارهم القضية الفلسطينية مهمة لكن ليست ملحة (كما وصف وزير الخارجية الأميركية السابق هنري كيسينجر موقف العديد من القادة العرب). قيل أنه عندما زار أوباما المملكة العربية السعودية في العام 2009، كان يتوقع أن يتناول مع الملك مسألة الصراع العربي ـ الاسرائيلي، غير أنه اضطر عوضاً عن ذلك، إلى الاستماع إلى حديث أحادي عن إيران. لقد تم التأكد من الانطباعات القديمة ولم يتم ابتداعها حديثاً. ربما كانت من الأوهام الدائمة للديبلوماسية الأميركية التي فشلت في الاعتراف بأن غالبية الشعوب العربية، بمن فيها مواطنو دول الخليج، لا يزالون ينظرون إلى القضية الفلسطينية على أنها أولوية إقليمية.

وفي إطار تراجع السياسة الأميركية الخارجية وفقاً لما ورد في كتاب فالي نصر، فإن القادة الايرانيين يميلون إلى تصوير انتصار ما يسمّونه «محور المقاومة» بأنه لا يعتمد على ما هم قادرون على القيام به، بل على الدول الغربية التي اختارت خسارة وجودها الفعال في المنطقة. لقد نظرت الادارة الأميركية إلى الاتفاق النووي مع إيران على أنه المسألة الوحيدة القادرة على إحداث فارق. وهذا ترك اللاعبين الاقليميين، حلفاء أميركا التاريخيين مثل المملكة العربية السعودية، يشعرون بالقلق من تخليها عنهم. من دون أي شك، فإن جزءاً من هذا القلق قد تبدّد مؤخراً بما اعتقدوا أنه إعادة إحياء لتحالف قديم. قد يقول البعض أن الرئيس الأميركي كان يهمه تأكيد المصالح الاقتصادية والامتيازات الدفاعية أكثر من علاقة الصداقة القديمة العهد. لكن من وجهة نظر بعض قادة الخليج، فإن المسألة الأكثر أهمية كانت عودة العدائية ضد إيران. يبقى معرفة كيف سيرسم اللاعبون الاقليميون، دولاً كانوا أم غير دول، التأثيرات المحلية المترتبة على المواقف التصعيدية للرئيس الأميركي الأخيرة بوجه إيران؟

تراجع الرئيس أوباما عن جهود احتواء إيران واعتقد أن اتفاقاً نووياً سيسمح بتسوية تتيح استقرار العراق، سوريا وبقية دول المنطقة. رغم أن المفاوضات لم تعالج سوى المسألة النووية، وقاومت أي محاولة إيرانية لربط الاعتبارات الجيوسياسية الاقليمية، إلا أن نجاحها يوازي الاعتراف الغربي الضمني بأن النتيجة المحتملة ستكون سياسة إقليمية أكثر مسؤولية تعتمدها إيران، كرد على التقدير الواقعي لدائرة نفوذها. لقد ثبت أن ذلك كان خطأ في الحساب وأدى مباشرة إلى تحالف عسكري روسي - إيراني في سوريا، ونفوذ إيراني أوسع في العراق وتدخل أكبر في اليمن.

واليوم، مع الضربة الصاعقة للادارة الأميركية في وجه الاتفاق النووي والتهديد بفرض المزيد من العقوبات تحت حجة مشكوك فيها بشدة وهي عدم التزام إيران، يترك من دون معالجة مسألة غير نووية وهي التصرفات الايرانية المزعزعة وتدخلها في الشؤون العربية. وأكثر من ذلك، فإن التنصل من الاتفاق النووي الأمر الذي يتعرض لانتقادات شديدة من الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة، يجعل من الصعب حشد ضغوط دولية ضد تدخل إيران في المنطقة، أكان بشكل مباشر أو عبر أذرعتها. من جهة أخرى، لم يصل التهديد بتصنيف الحرس الثوري الايراني كمجموعة إرهابية إلى حد وضعه على لائحة وزارة الخارجية ما يشير إلى تدبير يفترض حذراً ضرورياً لتجنب إعاقة العمليات العسكرية ضد داعش في العراق وسوريا، حيث تجد إيران والدول الغربية في الخندق نفسه. في الواقع، من المربك أن تستمع إلى الممثلة الدائمة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة وهي تصعّد المواجهة ضد إيران وتدين ما تصفه بـ «تصرفات الخارج عن القانون» في اليوم نفسه الذي وجدت فيه الولايات المتحدة نفسها جنباً إلى جنب مع إيران في معركة كركوك.

القدرات النووية الايرانية التي لا يمكن فصلها بسهولة عن الغايات العسكرية، لم تكن بنظر معظم العرب مسألة حيوية، بمن فيهم أولئك الذين يرفضون دور إيران في دولهم. إن الجدال حول تطوير برنامجها النووي كان مناسبة للتذكير بأن إسرائيل هي دولة نووية وينظر إليها كقوة تهديدية خطيرة أكثر من إيران، ويذكرون المجتمع الدولي بالدعوات المتكررة في مختلف المحافل الدولية إلى قيام شرق أوسط خال من السلاح النووي.

في بلدي لبنان، هناك قلق عام شديد حيال احتمال قيام إسرائيل باستغلال فرصة المواجهة والتفكير بشن هجوم على ذراع إيران، حزب الله، مع ما يترتّب عن ذلك من خسائر فادحة على لبنان كأضرار جانبية. في سوريا، لا توجد أي إشارة حول أن الضغوط على إيران سوف تؤدي إلى تغيير في السياسة الأميركية. منذ بدء الانتفاضة السورية في العام 2011، كان الدعم الأميركي كلامياً أكثر منه فعلياً. في الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن على ضرورة رحيل الأسد وبالتالي رفع توقعات المعترضين إلى مستويات غير واقعية، لم يستبعد الرئيس أوباما أي تدخل عسكري فحسب، بل تراجع عن القيام بأي جهد لضمان حماية السكان المدنيين. في هذا الاطار، ودون أن يدرس أي خيارات أخرى غير الضربات العسكرية المكثفة على الطريقة الليبية، فإن الدعم الأميركي للمعارضة السورية بقي غير فعال. واليوم، واستناداً لجميع الروايات، فإن السياسة التدخلية الروسية في سوريا حققت نجاحاً. لقد عزّزت موقع الأسد، حمت قواعدها العسكرية، دفعت اللاعبين الاقليميين بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة الأميركية، إلى إعادة التفكير في دورها في المنطقة، وراكمت بكلفة بسيطة مجموعة من أوراق التفاوض مع اللاعبين الحاليين والمستقبليين الاقليميين والدوليين في المأساة السورية. واليوم، فالسيطرة الروسية المسلّم بها على مسار الأستانة، اللعبة الوحيدة على الساحة كما يحب المسؤولون وصفها، تؤخر المسار السياسي الحقيقي الجدير بالاسم والمستند إلى اتفاق جنيف في حزيران 2012 وقرار مجلس الأمن الدولي 2254 في كانون الأول 2015، الذي هدفه الرئيس الدفع باتجاه إقامة هيئة حكومية انتقالية تملك صلاحيات تنفيذية كاملة. ولا يتردد المسؤولون في موسكو في القول بأن تأخير المسار السياسي جزئياً يعود إلى واقع أن ليس لديهم في الوقت الحالي مفاوضون دوليون إن لم نقل شركاء.

إن موقف الرئيس (الأميركي دونالد) ترامب حول سوريا اقل غموضاً مما كان عليه موقف سلفه. هذا لم يتظهر فقط باختيار الكلمات، بل بالاستثناء الوحيد باللجوء إلى الهجمات الصاروخية على مطار عسكري سوري عقب استخدام الأسد للأسلحة الكيمائية في خان شيخون. على الأرجح، لقد اجتاز الأسد «خطاً احمر» لأنه لم يعتقد أن الرئيس الأميركي سيبالي. بالتالي، وبعد اضطراره إلى وقف استخدام الأسلحة الكيمائية، فضّل عوضاً عنها العودة إلى الأنواع التقليدية من القتل الجماعي.

لقد كرر الرئيس الأميركي بأنه لن يحاول إزاحة الأسد أو جعل حقوق الانسان أولوية. وللتأكيد على ذلك، فإن تركيزه الوحيد كان هزيمة داعش ولن يتصرّف حيث تتعرض المصالح الأميركية للخطر. من غير المرجح أن يعتبر التواجد الإيراني المكثف في سوريا تهديداً للمصالح الأميركية حتى من وجهة نظر المواجهة الحالية.

إن موقف ترامب المتعنّت تجاه إيران لا يؤشر إلى تغيير جذري واسع في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. يمكن تفسيره، وتم تفسيره، على ضوء رغبته في التراجع عن إرث أوباما، بأنه انعكاس لقراراته السياسية الداخلية. غير أنه رغم استثناء إيران، فإن سياسته الخارجية تعبّر وتعزّز شعوراً انعزالياً في واشنطن.

منذ أكثر من عشر سنوات مضت، ساعدت سياسة التدخل الأميركية في المنطقة على خلق «مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد». لكن سياسات التراجع الأخيرة، أكانت بسبب رغبة أوباما الابتعاد عن وضعية العداء أو لا مبالاة ترامب وفقدانه الرغبة، لم تساهم في الاستقرار الاقليمي والانتقال نحو مجتمعات تضم الجميع وأكثر مشاركة. على العكس من ذلك تماماً.

طارق متري - المستقبل