ماذا لو اقتنع الحريري من السعوديين؟

01-11-2017 الجمهورية
طوني عيسى

ليس واضحاً مَن يعيش وضعيّة الإحراج أكثر: الرئيس سعد الحريري أم المحور العربي الداعم له ولمحور 14 آذار؟ لكنّ المؤكّد أنّ الحريري وحلفاءَه والعرب الداعمين له هم اليوم محشورون في «الخندق الغميق» الذي ساقهم إليه «حزب الله» وإيران، تدريجاً، بحنكة وهدوء.
أرسلت «القوات اللبنانية» إشارتها الواضحة باكراً: «إذا تمادى التطبيعيون فنحن سنستقيل من الحكومة». وبالتأكيد، لم تكن «القوات» تريد إيصالَ هذا التهديد إلى «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». فهي تدرك أنّ موقفَها لا ينفع في فرملة التطبيع.

وإذا أراد وزراؤها الاستقالة فليستقيلوا:

«الحزب» لا يزعجه سكوتُ الصوت الاعتراضي ضد التطبيع داخل الحكومة، و«التيار» لا يزعجه سكوتُ الصوت الاعتراضي ضد الصفقات! وإذا استقال وزراء «القوات»، تُواصل الحكومة عملها كالمعتاد، و«القاضي راضي» (الحريري).

لذلك، كان المقصود بالتهديد «القواتي» اثنان:

1- السعوديون الذين سبق لهم أن طلبوا من الدكتور سمير جعجع والنائب سامي الجميل أن يقفا في وجه مسار التطبيع مع دمشق - الأسد واتّساع نفوذ «حزب الله». وفيما الجميل يلتزم هذا الموقف أساساً، ويعبّر عن اعتراضاته من خارج الحكومة، فقد قدّم جعجع إشارةً إلى أنّ «براغماتية» «القوات» التي دفعتها إلى القبول بتسوية 2016 لا يمكن أن تتجاوز الخطّ الأحمر التطبيعي مع الأسد.

2- الحريري الذي يتعاطى مع الاعتراضات «القواتية» والسعودية ببعض اللامبالاة أو بطلب إعطائه الفرصة. وهو عملياً، منذ لقاء كليمنصو، دخل في المسار التطبيعي بتشجيع من الرئيس نبيه بري (و«الحزب» من خلاله) و«التيار». وتوقيعه قبل أيام تعيين سفير جديد في سوريا هو إحدى المقدمات اللازمة في طريق طويل إلى دمشق.

بالنسبة إلى السعوديين، مثير أن يكون حلفاؤهم المسيحيون ممانعين للتطبيع أكثر من الحريري الذي يعتبرون أنه «من أهل البيت» ومن الفريق المفترض أن يعاونهم في مهمتهم ضد التطبيع. وأدىّ تأخُّر السعوديين في دعوة الحريري إلى الرياض، بعد أسابيع من دعوة جعجع والجميل، إلى خلق عدد من التساؤلات، ومنها:

هل السعوديون يتقصّدون اعتماد سياسة مزدوجة للمناورة، فيتشدّدون من خلال تغريدات السبهان، فيما يمنحون الحريري هوامش واسعة ليراعي الخصوصيات اللبنانية؟ أم إنّ السبهان يعبّر فعلاً عن موقفه الشخصي المتشدّد، خلافاً لموقف الرياض الرسمي المتساهل؟

في الساعات الأخيرة، زال مبرّرُ التحليلات والتوقعات، وعمد السبهان بنفسه إلى حسم الأجوبة، ولو متأخراً بعض الوقت.

فهو حدّد نقاطاً أساسية:

- «إنّ الموقف الذي أُعبِّر عنه ليس شخصياً، ومَن يعتقد ذلك يعيش في الوهم، وسترون ما سيحصل في الأيام المقبلة». ويعني هذا الموقف أنّ تطوّراتٍ معيّنة في هذا الملف ستطرأ قريباً. وزيارة الحريري للرياض ربما تكون أوّلَ مؤشر اليها.

- «يجب إخراج «حزب الله» من الحكومة». وهذا يعني أنّ السعوديين بدأوا يفكرون بخلط الأوراق من جديد على الطاولة، بعدما استاؤوا من معادلات القوة والمعطيات التي كرّستها تسوية 2016 الرئاسية - الحكومية.

فقد تبيَّن لهم أنّ تلك التسوية جاءت بكاملها لمصلحة «الحزب»، وخلافاً لما وعدهم به الحريري وحلفاؤه الآذاريون في ذلك الوقت، إذ عملوا على إقناع السعوديين بأنّ «الحزب» سينضبط في مواقف أكثر اعتدالاً، وأنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيكون ضماناً للحياد بين محورَين لا طرفاً داعماً لأحدهما.

في الرياض، اليوم، يحاول الحريري إقناعَ السعوديين بإعطائه مزيد من الهوامش والفرص والوقت لمراعاة وضعيّة الاستقرار اللبناني. وهو في أيّ حال، «أعطى كلمته» لـ«حزب الله» بطريقة غير مباشرة، من خلال «لقاء كليمنصو».

وأما السعوديون فقد نفَدَ صبرُهم وباتوا يسألونه: إلى أيّ دَرْكٍ ستصل في مسار التنازلات هذا؟ وعليك أن تدرك أنك لا تمثل نفسَك، بل تمثّل محوراً عربياً كاملاً، وأنّ التنازلات ربما تتيح سيطرة إيران الكاملة على لبنان وسوريا والعراق.

المشكلة هنا تكمن في طريقة احتساب الأرباح والخسائر. فحساباتُ الحريري ليست هي نفسها حسابات السعوديين: هاجس الزعامة السنّية، والزعامة اللبنانية، ورئاسة الحكومة، والانتخابات الآتية، واستعادة الطاقات الشخصية وتجنّب الصدام المذهبي هي الأساس لدى الحريري.

وأما هاجس المحور السعودي فهو انتصار إيران وبلوغها شاطئ المتوسط. وبين هذا وذاك، هاجس قوى 14 آذار المسيحية في مكان آخر أيضاً.

إذا اقتنعت السعودية من الحريري وتراخت في لبنان، فهذا يمنح «حزب الله» هامشاً لتشديد قبضته والإسراع في التطبيع مع دمشق كسباً للوقت. وقد يكتشف «الحزب» أنّ إجراءَ الانتخابات وفق القانون الحالي والظروف السائدة، في أيار، فرصة لا يجوز إهدارُها قبل أن يغيِّر السعوديون رأيهم في ما بعد.

وأما إذا عاد الحريري «مقتنعاً» من السعوديين بالتشدّد، فهذا سيمثل لـ«حزب الله» ما يشبه الانقلاب على التفاهمات المعقودة مباشرة وضمناً. وهذا يعني أنّ البلد ربما يكون مرشّحاً لخضّات كبيرة لا أحد يضمن اتجاهاتها ونتائجها.

طوني عيسى - الجمهورية