صمود التسوية الرئاسيّة في مواجهة سيناريو حكومة تصريف أعمال؟

01-11-2017 الجمهورية
ناصر شرارة

فيما رئيس الجمهورية ميشال عون يتأهّب لزيارة الكويت، يغادر رئيس مجلس النواب نبيه بري قريباً الى مصر لحضور مؤتمر، وحزَم رئيس الحكومة سعد الحريري أمتعته على عجل وسافر الى السعودية، في وقت عاد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من رحلته الاغترابية في أوستراليا.
حركة سفر لأقطاب السياسة المحلّية، ربما لا تتضمّن كلها مؤشراتٍ سياسية، بمقدار ما توحي بأنّ اللحظة مليئة بأسئلة ثمّة حاجة الى أجوبة عنها. وأبرز هذه الاسئلة عن مستقبل التسوية الرئاسية، وهل لا تزال هي صمام أمان الاستقرار في لبنان، على حدِّ ما أكد عون خلال إطلالته الحوارية مع تلفزيونات لبنان؟ أم إنّ المطلوب من جهات خارجية، استبدالها بصيغة سياسية داخلية أُخرى؟ والسؤال الأساس لماذا سيتمّ استبدالُها؟

وهل الإصرار الخارجي على مواجهة «حزب الله» سياسياً واقتصادياً، وربما عسكرياً لاحقاً، هو الأمر الوحيد الذي قد يطيح التسوية الرئاسية بغرض إخراجه منها وجعل لبنان يسير وفق صيغة للاستقرار الداخلي تمتاز بأنها انْتظارية لتسويات الإقليم وتقدّم للبنان صيغة استقرار سياسية نسبية تبقي «حزب الله» خارج مكاسبها في هذه المرحلة، وتؤكّد شرط واشنطن بضرورة إظهار أنّ هناك فصلاً بين الدولة اللبنانية وبين «حزب الله»، أقلّه في الشكل؟

بات واضحاً من خلال مواكبة ما يتسرّب الى بيروت من نقاشات خارجية، وهي على صلة بالأسئلة الواردة أعلاه، أنّ المنطقة التي من ضمنها لبنان، تعيش حالة غليان فوق صفيح النزاع الأميركي ـ الإيراني، وهو نزاع يطرح على الوضع الداخلي اللبناني أسئلة طارئة أبرزها الآتي:

ـ أولاً، بعد إبرام التسوية الرئاسية التي جاءت بعون رئيساً للجمهورية والحريري رئيساً للحكومة، ونشأت على ضفافها تحالفاتٌ جديدة وهدنٌ سياسية داخلية جديدة، ظلّ الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله يكرّر أمام زواره اللبنانيين القلائل أنّ الأحداث الخارجية والإقليمية المتوقّعة، وعلى رأسها احتمال تفجّر العلاقات الإيرانية ـ الأميركية وبين الرياض وطهران، لن تؤثر على التسوية الرئاسية وهدنة ربط النزاع كما يسمّيها تيار «المستقبل».

ولم يفصل نصرالله أسباب ثقته بقدرة التسوية الرئاسية على الصمود في وجه الرياح الإقليمية العاتية المرتقبة، والتي بدأت حالياً بالهبوب فعلياً في كافة أرجاء المنطقة.

وفي كلامه أمس مع ممثلي محطات التفلزة اللبنانية كرّر عون أيضاً ثقته بصمود التسوية الرئاسية في وجه العصف الإقليمي. وفي كواليس «حزب الله» يدور همس يؤشر أصحابه الى أنّ ما بعد رأس السنة ستدخل المنطقة ولبنان آفاقاً سياسية جديدة.

ويؤشر الحزب الى هذه الفترة من باب ارتياحه الى أوضاعه فيها.. وعكس هذا الكلام يمكن المراقب أن يسمعه في الضفة اللبنانية الأخرى ذات الصلة بقوى 14 آذار أو بقاياها، حيث يعتبر رموزُها أنّ الأشهر القليلة التي تفصلنا عن رأس السنة ستشهد تطوّرات ترغم «حزب الله» على التكيّف مع مستجدّات إقليمية جديدة وهي ليست في مصلحته.

ـ ثانياً، ومع بقاء الأجوبة على الأسئلة الواردة اعلاه معلّقة، يتكهّن مراقبون بشيء من الثقة، بأنّ عودة السعودية الى لبنان ستؤسّس لمرحلة لبنانية داخلية جديدة.

وأبرز عناوينها هي حصول مفاجآت على مستوى تماسك الحكومة الراهنة التي قد يُصار الى فرطها مع مطلع السنة المقبلة، وذلك لمصلحة أن تصبح حكومة تصريف أعمال تستمرّ في أداء كل واجباتها القانونية المطلوبة لعقد الانتخابات النيابية في موعدها بلا تأخير.

والسبب الأساس لحصول هذا التطوّر، هو الإصرار الدولي على رسم خطٍّ فاصل، ولو نسبياً، بين الحزب والدولة اللبنانية،. وبكلام آخر تريد الحملة الغربية والإقليمية على «حزب الله» نزعَ غطاء الدولة اللبنانية عنه، وهذا مطلب أميركي قد يصبح ملحّاً في المرحلة المنظورة المقبلة.

ـ ثالثاً، يضرب القائلون بحصول هذا السيناريو مثل استقالة حكومة ميقاتي في آذار العام 2013. آنذاك برز سؤال عن السبب الذي فجّر هذه الحكومة.

والبعض أطلق عليه تسمية «السبب الغامض»، لكنّ حقيقة ما جرى كان بدأ منذ شباط ذاك العام عندما أبلغت شخصية كبيرة في الخارجية البريطانية لديها صلات وثيقة بحلف «الناتو»، أنّ الغرب تخلّى عن دعمه شعار حكومة ميقاتي «النأي بالنفس» عن أحداث سوريا، وأنه يتّجه الى تبنّي تعديل هذا الشعار ليصبح «نأي الدولة اللبنانية بنفسها» عن تبعات ممارسات «حزب الله» خارج لبنان، أي في سوريا والإقليم.

أدّى هذا التعديل الدولي في دعمه لحكومة «النأي بالنفس» الى إسقاط حكومة ميقاتي ليكلف تمام سلام بتشكيل حكومة بديلة ظلّت في مرحلة التكليف لفترة غير قصيرة، نظراً لإصرار الأخير حينها على تشكيل حكومة غير سياسية، أي حكومة من دون الحزب.

والمرجّح في الفترة المنظورة، وتحديداً مع إطلالة السنة الجديدة تحويل حكومة التسوية الرئاسية حكومة تصريف أعمال تحضّر لانتخابات نيابية تحت شعار تجميع قوى 14 آذار، وأيضاً العودة الى شعار المطالبة بالسعي لإعادة إنتاج دولة وحكومة ومجلس نواب يكون حضورُ «حزب الله» فيها ضعيفاً.

وكان لافتاً في هذا السياق تصريح رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من أوستراليا الذي اعتبر فيه «أنّ قوة حزب الله ليست في سلاحه، بل في تحالفاته الداخلية السياسية».

ويؤشر هذا التصريح الذي تزامن مع غمز «القوات» بإمكانية استقالتها من الحكومة، الى المطالبة بتحالفات سياسية داخلية جديدة عشية انتخابات أيار المقبل، تؤدّي الى إعادة إنتاج الجزء المتبقي من عهد عون بحيث يكون حضورُ «حزب الله» فيه داخل الدولة والحكومة ومجلس النواب، غير وازن سياسياً.

ناصر شرارة - الجمهورية