مفهوم المواطن في الفكر السياسي لرفيق الحريري

01-11-2017 المستقبل
د. مصطفى متبولي

«كل ما نحتاج إليه في الحقيقة هو الرؤيا، ثم الرؤيا، ثم الرؤيا»

(رفيق الحريري، الحكم والمسؤولية)


في تحديده لمفهوم المواطن، استقرأ الرئيس رفيق الحريري تاريخ لبنان وقضاياه وأسباب الحروب الأهلية الدموية والعبثية وحروب الآخرين على أرضه وتداعياتها الخطيرة على المواطنة وعلى العلاقات البنيوية بين الدولة والمواطن. وبناء على ذلك، سعى منذ ولوجه معترك الشأن العام، لبناء دولة القانون والمؤسسات وإحياء وتكوين مفهوم «المواطن اللبناني» وجعله قاعدة الارتكاز الأساسية للعلاقة بين الدولة اللبنانية والمواطن.

وفي هذا السياق يمكن اعتبار اتفاق الطائف وثيقة اساسية تعبّر بأمانة عن رؤية الرئيس رفيق الحريري السياسية للوطن والدولة اللبنانية والمواطن؛ وللتأكيد على ذلك ما قاله الوسيط العربي الأخضر الابراهيمي في مقابلة مع جريدة المستقبل بتاريخ 17/6/1999: «إن عرّاب القضية اللبنانية، في تلك الفترة، بالنسبة إلى السعوديين كان شخصاً اسمه رفيق الحريري. وقد ساهم مساهمة أساسية في إعداد وثيقة الطائف لا بل أعتقد أنه كتبها بخط يده».

إن خطاب رفيق الحريري في الجامعة الأميركية في بيروت بتاريخ 13 تموز 1992 يُشكل أيضاً مرجعاً اساسياً وإضافياً يشرح فيه بموضوعية مكونات رؤيتة السياسية حول الوطن والدولة والمواطن. واستناداً إلى هذين المرجعين الأساسيين وعدد من التصريحات والخطابات في المؤتمرات الدولية للرئيس رفيق الحريري يمكن استخلاص الركائز الأساسية لمفهوم المواطن اللبناني في فكره السياسي.

إن اتفاق الطائف الذي أقره المجلس النيابي اللبناني في مدينة الطائف في 22/10/1989، والذي صدق عليه في جلسته المنعقدة في مطار القليعات بتاريخ 5/11/1989، ساهم بإنهاء الحرب الأهلية العبثية ومنع تقسيم لبنان إلى كانتونات طائفية. وقد تميزت سنوات هذه الحرب بالحروب الصغيرة في الأحياء والزواريب بين الأحزاب اللبنانية تارة وبين أفرقاء البيت السياسي الواحد تارة أخرى. وهكذا تحول معظم اللبنانيين إلى وقود حي لهذه الحرب الأهلية العبثية رغماً عنهم والبعض بإرادته وكامل وعيه؛ ومن النتائج الوخيمة لهذه الحرب تهجير عدد كبير من اللبنانيين من قراهم وبلداتهم وفرزهم طائفياً وارتكاب جرائم القتل والمجازر وتدمير البنى التحتية. وهكذا أصبح الشعب اللبناني مجموعة من القبائل المتناحرة تتقاتل في ما بينها غير آبهة بمصلحة الوطن العليا وكيانه ووحددة شعبه. وتفككت أوصال الدولة اللبنانية التي تسببت بضمور المؤسسات الدستورية والحكومية والأمنية وبوأد مفهوم المواطن اللبناني.

واكتسبت وثيقة الطائف أهمية كبيرة لأنها أصبحت مقدمة للدستور اللبناني بموجب القانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 تحت اسم «المبادئ العامة والإصلاحات» التي أكدت أن لبنان «وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات وعربي الهوية والانتماء»، والدولة اللبنانية «جمهورية ديموقراطية برلمانية.. وأرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين». بالإضافة إلى أن الدولة اللبنانية تلتزم بتطبيق «المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمييز أو تفضيل.. وتحترم الحريات العامة للمواطن وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد».

وحول هذا الموضوع كتب العلامة الدستوري ادمون رباط: «إن وضع هذه المبادئ العامة في مقدمة الدستور اللبناني غايته إضفاء صفة القدسية عليها، لأنها في حقيقتها الموضوعية إنما هي بمثابة الإعلان الدستوري لما يستند إليه لبنان من الأركان الثابتة، وما يؤمن به الشعب اللبناني من العقيدة القومية. وهي الخاصية التي تتضح صراحة في كل بند من بنود هذه «المقدمة» – الاعلان، الذي تنطوي كل كلمة منه على حل لإشكال نفسي وسياسي، طالما تسبّب، منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، عام 1920، بالمناظرات المتضاربة والعنيفة، بين القائلين إن ثمة «قومية لبنانية» وبين العدد الضخم من أنصار«الأمة العربية». (ادمون رباط، مقدمة الدستور اللبناني، بيروت، دار النهار للنشر، 2004 ص 35 - 36).

العافية الوطنية

أعلن رفيق الحريري في خطابه في الجامعة الأميركية في بيروت 13/7/1992: «بحكم موقعي المتجذر في تراب هذا البلد منذ مئات السنين، ومن موقع معايشتي لاتفاق الطائف، حرفاً حرفاً، ونصاً نصاً، والتصاقي بروح هذا الاتفاق وأهدافه.. أعلن بصراحة أن لبنان قد نجح في إبرام اتفاق الوحدة الوطنية في الطائف.. وبأن اتفاق الطائف خطوة كبرى على طريق العافية الوطنية.. وهو الضامن لمستقبل لبنان ولإرادة العيش المشترك بين أبنائه».

وقد أكد الرئيس رفيق الحريري مراراً وتكراراً بأن اتفاق الطائف كان نقطة الانطلاق لعملية إحياء الوحدة الوطنية بين «المواطنين» اللبنانيين التي هي الممر الوحيد والإلزامي من أجل خلاص لبنان من محنته الكيانية وديمومة لبنان الوطن والدولة ومؤسساتها الدستورية. ولكن الحريري كان يعتبر في الوقت نفسه بأن كلمة «مواطن» مفهوم ملتبس لدى اللبناني لأنه يتدثر تارة بلباس كهنوتي أو بجلباب ديني وفق المصالح الدنيوية للفرقاء السياسيين اللبنانيين، وتارة أخرى يتمترس اللبناني خلف مظلة الدولة في حال كانت لديه مصلحة مذهبية أو حزبية أو فئوية.

ولهذه الأسباب، إن الهدف الأساسي لاتفاق الطائف، حسب الرئيس رفيق الحريري، هو ترسيخ مفهوم المواطنة لدى اللبنانيين وتحرير المواطن من تسلط فئة قليلة من الشعب اللبناني التي صادرت منذ استقلال لبنان السلطة السياسية وتحكمت بمصير الوطن وبمقدراته. وكان ينتقد الطبقة السياسية التي استخدمت التجييش الطائفي أو المذهبي وسلطة المال الانتخابي من أجل استمرارية الزبائنية السياسية خدمة لمصالحها الشخصية والحزبية والفئوية من دون الأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية العليا.

واعتبر الرئيس رفيق الحريري أيضاً أن إعطاء المواطن اللبناني حقوقه الأساسية وحمايتها (حرية المعتقد والتعبير والمساواة والعدالة القضائية والاجتماعية والتعلم والطبابة) هي الركيزة الأساسية لبناء الدولة الديموقراطية في لبنان، وهي وحدها تمنح المواطن الشعور بأنه إنسان غير مقهور ومظلوم لأنه يعيش في ظل فَيْء دولة القانون والمؤسسات؛ وهذا هو الهدف الرئيسي الذي يجسد بوضوح روح اتفاق الطائف حسب الرؤية السياسية لرفيق الحريري: «لم يأتِ اتفاق الطائف ليرفع الظلم والإجحاف عن فئة من اللبنانيين، ويضع فئة أخرى في موقع المظلوم والمحروم، فلا تأخذ النشوة أحداً وكأنه منتصر، ولا يشعر آخر بالإحباط وكأنه مهزوم، فليس وطناً من يعيش أبناؤه بين منتصر ومهزوم». (خطاب رفيق الحريري في الجامعة الأميركية بيروت،13 تموز 1992)

واستناداً إلى هذه الرؤية الحريرية لمفهوم كلمة «مواطن» أكد اتفاق الطائف أن «المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين من دون تمييز أو تفضيل» هي أساس بناء الدولة اللبنانية ولكنها في الوقت عينه أخذت في الاعتبار الخصوصية اللبنانية نظراً لازدياد عدد اللبنانيين المسلمين كما ورد في «المبادئ العامة والإصلاحات» للوثيقة في المادة 2 (الإصلاحات السياسية) الفقرة 5 «إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبياً بين طوائف كل من الفئتين ونسبياً بين المناطق».

هذه النظرة الوطنية والميثاقية للمواطنة ترجمها الرئيس رفيق الحريري بإيجاز في جملته الشهيرة بأن اتفاق الطائف «أوقف العد» أي أن تعداد عدد اللبنانيين وفق المعيار الطائفي انتهى وأصبح من الماضي. وهذا يعني بالنسبة له أن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين اللبنانيين المسيحيين والمسلمين هي المدماك الأساسي التي يُبنى عليه عملية إحياء الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية والأمنية والشرط الأساسي لاستمرار وجود لبنان الوطن وكيانه.

ولا بد من الإشارة إلى المواقف السياسية الصلبة حول هذا الموضوع للرئيس سعد الحريري الذي أكد على غِرار الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أن «المناصفة بين المسلمين والمسيحيين قاعدة نهائية يرتكز إليها التوازن الوطني وصيغة لبنان.. لقد أوقفنا العد. والدولة التي يرأسها الفراغ هي دولة برسم الانهيار. نرفض الفراغ في رئاسة الجمهورية لأننا من مدرسة تعتبر الرئيس الماروني اللبناني رمزاً للعيش الواحد بين المسلمين والمسيحيين والذي نعلن تمسكنا به أساساً للبنان». (جريدة المستقبل السبت 14 شباط 2015)

وفي هذا الصدد اعتقد رفيق الحريري بأن هذه المساواة بين المواطنين اللبنانيين هي الركيزة الأساسية لبناء الدولة اللبنانية الحديثة والتي تؤمن ديمومة الكيان اللبناني وعدم تسلط فئة من المواطنين على أخرى؛ وكان الرئيس الحريري يشدد دائماً على أن مشروعية أية دولة تُكتسب من إرادة جميع مكونات الشعب في العيش معاً ورضائياً على أرض واحدة وسعيهم الدائم من أجل الحفاظ على مؤسسات دولة القانون واستمراريتها وهذا هو حال الشعب اللبناني.

ويندرج في هذا السياق الإصرار الدائم للرئيس رفيق الحريري على التذكير في خطاباته ومواقفه السياسية في لبنان والمحافل الدولية بضرورة وإلزامية نسج علاقات وثيقة بين الدولة والمواطن لأنه لا هوية للمواطن من دون وجود كيان للدولة اللبنانية أي العقد السياسي الذي وافق عليه جميع المواطنين لتأسيس الدولة اللبنانية. وهذه العلاقة البنيوية بين المواطن والدولة اللبنانية هي علاقة أساسية يولد من رحمها مفهوم المواطنة.

ولاء المواطن

وعلاقة المواطن بالدولة، حسب الرؤية السياسية للرئيس رفيق الحريري، تُلزم المواطن بالانتماء والولاء إلى الوطن وباحترام القوانين المرعية الإجراء في الدولة اللبنانية. ولكن في الوقت نفسه يجب على الدولة تامين الحقوق الأساسية للمواطن. وهذا ما سعى إلى تحقيقه الرئيس رفيق الحريري من خلال إيجاد توازن في العلاقة السياسية بين الدولة والمواطن الذي يجب أن يتمتع بحقوقه السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية في كنف دولة القانون والمؤسسات الدستورية. وهذا المفهوم الحريري ودور الدولة ومسؤولياتها إزاء المواطن لم يغب أبداً عن المواقف السياسية للرئيس رفيق الحريري «إن الدولة الحديثة تعتبر أن من صميم مسؤولياتها تأمين العمل للمواطنين، على أساس الفرص المتكافئة، وتأمين التحصيل العلمي ليصبح في متناول الجميع والحفاظ على الصحة العامة، ورفع مستوى المعيشة عن طريق زيادة الدخل الوطني وبصورة عامة التحسب للمستقبل واتخاذ أسباب الحيطة لتجنيب المجتمع وطأة الأزمات الممكنة. وعلى هذا الأساس، فإن الحكومة مصممة، بعد أن أضحت بهمومها وأعبائها تثقل كاهل المواطنين، على اعتماد نظام صحي حديث، دقيق الرقابة، ودعم الرعاية الأولية وتعزيز الوقاية والنهوض بالخدمات الاستشفائية الحكومية والخاصة». (البيان الوزاري الذي ألقاه في مجلس النواب لنيل الثقة لحكومته الثالثة 7 تشرين الثاني 1996).

لكن الحقوق الأساسية للمواطن اللبناني حسب رفيق الحريري لا يمكن تحقيقها إلا في كنف دولة ديموقراطية تكون في خدمة المواطن وتحافظ على حماية حرياته الشخصية لأن تحقيق ذلك يُعتبر حجر الزاوية والغاية الأسمى لنظامها السياسي. وفي هذا الصدد أكد الرئيس رفيق الحريري أن «الديموقراطية حاجة وليست خياراً.. والالتزام بالديموقراطية بمفهومها الواسع وبما تحمله من وعد بإطلاق وتحرير إمكانات الانسان وطاقاته.. ويجب أن تتم ترجمتها بالأفعال، فلا نقول شيئاً ونفعل شيئاً آخر. كما أن المناداة بالديموقراطية لأغراض دعائية يقصد منها تجميل واقع سيئ ليست ما نصبو إليه. إن ما نتطلع إليه هو ديموقراطية حقيقية تلبي طموحات الإنسان». (خطاب الرئيس رفيق الحريري حول مستقبل العالم العربي واستشرافه في المنتدى الاستراتيجي العربي، دبي، 14 كانون الأول 2004).

واخيراً، إن القاعدة الأساسية لمفهوم المواطن في الفكر السياسي للرئيس رفيق الحريري ترتكز على بناء دولة القانون والمؤسسات التي تأخذ في الاعتبار حقوق المواطن وواجباته وأحلامه وهواجسه وآماله وآلامه، مما يحفزه على تعزيز ولائه للوطن ويدفعه إلى المشاركة الفعالة في نهوضه وازدهاره لأن لبنان «لا يقوم، ولا يُبنى، ولا يستقيم أمره إلا بمشاركة أبنائه، كل أبنائه، في مسيرة الوفاق الوطني. وكل من يعمل على خلق الشقاق بين اللبنانيين، مُدان في شرف انتسابه إلى هذا الوطن» (خطاب رفيق الحريري في الجامعة الأميركية. بيروت 13/7/ 1992).

د. مصطفى متبولي (مدير سابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ) - المستقبل