البترول هدية السنة الاولى للعهد

31-10-2017 مازن ح. عبّود

اطفأ العهد سنته الاولى مع انجاز استكمال دورة التراخيص التي نأمل ان تدخل لبنان في خضم مرحلة جديدة. مرحلة قد تنقذه من الطوفان الاقتصادي المحتمل جراء التعثر الناتج عن تراجع الثقة والاستثمارت والديون والفساد وسوء ادارة القلة القليلة لمقدرات البلد في ظل غياب المحاسبة. مع انجاز هذه الخطوة برزت مخاوف وتم طرح العديد من الاسئلة التي يتوجب الاجابة عنها؟
اولا، هل انّ التوقيت مناسب لاطلاق التراخيص؟
والجواب هو انّ بدء اطلاق عمليات التراخيص لا يعني بدء انتاج الغاز، بل اطلاق اشارة الانطلاق لعمليات الاستكشاف اذ انّ ثمة مسافة زمنية قد تمتد زهاء ثلاث سنين على الاقل تفصلنا عن بدء الانتاج وتدفق الغاز. وانه لمن الصعب التكهن بأسعار البترول بعد ثلاث سنوات. المهم انّ ثمة اهتمام من قبل الشركات الدولية التي تقع التنقيب على كاهلها، وحصة الدولة هي ثابتة ومحددة بالقوانين المرعية الاجراء. فهل المطلوب انتظار بزوغ مرحلة ما بعد البترول كي نبدأ بالتنقيب عن بترولنا فنتحسر على ماض لم نتقن ادراته، ونبكي على فرص لبنان الضائعة؟
ثمة مخاوف من سطوة القلة المتحكمة بالبلد على موارده البترولية لكن القانون رقم 132 اوجد ضوابط امام شهية القلة الحاكمة فضمن ادارة رشيدة للصندوق السيادي ومنع استخدام الاصول المالية للصندوق تاركا للدولة مسؤولية الاستفادة من الفوائد. في ظل الواقع اللبناني لا يمكننا الجزم والقول بأنّ القانون المذكور يحمي الصندوق السيادي بشكل كامل من طمع القلة، لكنه يقونن ويضبط وينظم مثل هذه الاتجاهات المعروفة كي لا يفشل القطاع ونستورد التجربة البرازيلية في هذا الاطار.
اني اعتقد بانّ قانون الموارد البترولية في المياه البحرية رقم 132 الصادر بتاريخ 24/08/2010 اتى مكتملا في الكثير من جوانبه. الا اني كنت اتمنى ان يعطي القانون المذكور هوامشا اكبر لهيئة البترول التي هي واقعيا تقوم بمهام تنفيذية واستشارية لحساب الوزير المختص ومقام مجلس الوزراء. لقد كان المطلوب اعطاء الهيئة مهاما تقريرية وحصر دور الوزارة بالوصاية والقرارات الكبرى مع مجلس الوزراء، لكن هذا لم يتم. فكان ان صارت البنود البترولية موادا ملتهبة تشتعل او تلهب مجلس الوزراء. طبعا لا يمكن تحرير القطاع من الازمات ومن التدخل السياسي لكن كان بالامكان خلق هوامش اكبر لضمان انفاذ ما هو متفق عليه لتحقيق المصلحة الوطنية الكبرى.
ثانيا، ما هي التدابير التي تمّ اتخاذها لضمان استدامة الموارد البترولية ولضمان سلامة البيئي الشاطئية والبحرية، كي لا يتحول اكتشاف النفط من نعمة الى وسيلة لابادة ما تبقى من ميزات تفاضلية لبلد الارز؟
من الاكيد انّ ايّ تقصير او خلل ابان عمليات التنقيب ناتج عن عيب تقني او بشري او غياب للرقابة سيؤدي الى كارثة انسانية تؤدي الى خسارة الكثير من الارواح. كما الى حصول كارثة بيئية تؤدي الى اختناق ما تبقى من عناصر حية في بيئتنا البحرية جراء تناقص معدلات الاوكسيجين كنتيجة مباشرة لتسرب الغاز في البحر. وما يستتبعه هذا التسرب من تغيّر في درجات حموضة المياه وكثافتها. مما يعني عمليا تدمير البيئة البحرية اللبنانية بالكامل وبالتأكيد غرق المنشآت النفطية كنتيجة حتمية لنقصان معدلات كثافة مياه البحر جراء التسرب الغازي، وهذا يؤدي الى انفجارات في المياه الاقليمية تطال المتجعات والشواطئ. مما يؤدي الى تحوّل هذه النعمة الى نقمة تجر علينا المآسي وربما الحروب التي ستكلفنا مليارت الدولارات. وهذا آخر ما يلزم بحرا يختنق اصلا بنفاياته ومياه الصرف الصحي، التي صارت تشكل مشروع ازمة مفتوحة مع دول المتوسط على الضفتين.
الا انّ الفصل التاسع من القانون المذكور المتعلق ب"الصحة، السلامة والبيئة" اتى حاسما في هذا الاطار. فنصت المواد 54 و55و56 و58 و59 و60 على التدابير التي تكفل السلامة والبيئة، وحددت المسؤوليات وكيفية المعالجة في حال حصول كارثة. فأتى مكتملا الى حد بعيد.
كما نصّ على ضرورة مراعاة مبادئ اصول الانتاج الرشيد بحيث يتم استخراج اكبر كمية ممكنة للغاز بما قد يتعارض مع مصالح الشركات التي تسعى الى الاستثمار في الحد الذي يؤمن لها الربحية وترك كميات في المكمن لا يمكن استخراجها بأكلاف معقولة. مما يضمن تعزيز ربحية للدولة اللبنانية.
وقد ورد في القانون المذكور على ضرورة وضع ضوابط للمراحل الفنية في التطوير والانتاج، وعلى ضرورة الاستحصال على رخصة انتاج سنوية: تحدد كميات الانتاج السنوية وتبرر الزيادة او النقصان للمحافظة على الانتاج الرشيد. كما نصّ القانون المذكور على ضرورة تقديم الخطط والمهل ومن ضمنها خطة تطوير الانتاج (عدد الابار والبنية التحتية) وخطة تسويق وبنية تحتية. واشار صراحة في الفصل التاسع "الصحة، السلامة والبيئة"الى ضرورة اجراء دراسة اثر بيئي قبيل الاستحصال على رخصة الحفر. كما على ضرورة تقديم دراسة اثر بيئي توافق عليها وزارة البيئة ومنع الحرق والتهوئة الا في حالات طارئة ومحددة وذلك لخفض الضغط لمنع حصول انفجار. واتى شق ادارة العائدات كي يحافظ الدولة على رأس المال والتصرف بالفوائد لضمان اصول مالية متجددة للبلد.
لقد اناط القانون بوزراة البيئة مهاما كبرى للحفاظ على السلامة والبيئة البحرية. لكن هل تتمكن وزراة لم تعطى الحد المطلوب من الاهتمام والاعتمادات والوسائل والعناصر البشرية من مواكبة الثورة النفطية في لبنان ؟ هل يستطيع موظف بمدخول زهيد القيام بمهام رقابية كبرى، لها انعكاسات مالية كبرى بمليارات الدولارات على شركات عالمية لضمان سلامة البيئة، بنوعية عالية ؟ هذا ما يتطلب اعادة تفكير وقرارات كبرى وتدابير واقعية لضمان جودة انفاذ القوانين والمعايير.
انّ مسألة استخراج البترول من المياه الاقليمية اللبنانية هي مسألة حيوية استراتيجية وذلك كي لا يلتهم العجز والدين البلد. وانّ التأخر في انجاز هذا الملف سيؤدي حتما الى التهام الدين لايرادات البترول اللبناني ومستقبلنا ولما تبقى من دولة.
اخيرأ، هل المطلوب ان تستخرج اسرائيل حصتنا من الحقول المتنازع عليها بينما نحن نتفرج؟