ما بعد "داعش" أو عسكرة السياسات الإقليمية؟

29-10-2017 الحياة
بشير عبدالفتاح

من بين تداعيات سلبية كثيرة تمخض عنها ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي، برزت ظاهرة عسكرة السياسات الإقليمية على نحو يشي بنزوع القوى الكبرى لإعادة هندسة المنطقة جيواستراتيجياً، وفقاً لأسس واعتبارات إثنية وعبر آليات وأدوات عسكرية، وضمن سياق نمط تفاعلي غير مسبوق منذ الحرب العالمية الأولى. ففي العراق، الذي احتل «داعش» ثلث أراضيه، تحرَّكت قوات البيشمركة الكردية لمحاربة التنظيم الإرهابي بدعم أميركي غربي. وعلى خلفية ذلك، غضَّ المجتمع الدولي الطرف عن احتلال قوات البيشمركة مناطق حررتها مِن «داعش»، وضمتها إلى إقليم كردستان عام 2014، بكل ما حوته من مطارات ومرافئ حيوية وحقول وأنابيب نفط، ككركوك ذات الأهمية الجيواستراتيجية البالغة، والتي تحتضن أراضيها 40 في المئة من احتياط النفط، و70 في المئة مِن احتياط الغاز العراقيين. كما حرصت حكومة كردستان على أن يجري الاستفتاء الأخير في تلك المناطق، وكذا الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي كان من المقرر إجراؤها مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2017.

ومع إصرار رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني على إجراء ذلك الاستفتاء، على رغم معارضة المجتمع الدولي، استغل العراق وإيران الفرصة لإعادة ترسيم الحدود بين أربيل وبغداد، إذ شنت القوات العراقية بالتعاون مع قوات «الحشد الشعبي» الطائفية حملة عسكرية بدعم إيراني ومباركة أميركية لاستعادة المناطق المتنازع عليها في محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى وديالي، وتبلغ مساحتها 1000 كيلومتر مربع. وهي الحملة التي تراجعت تحت وطأتها البيشمركة إلى خطوط حزيران (يونيو) 2014 أو ما يعرف بحدود عام 2003 التي وضعها الدستور العراقي والمتمثلة في خط عرض 36 شمال خط الاستواء.

توغلت قوات «الحشد الشعبي» في عدد مِن الأقضية التابعة لكركوك وغيرها من المناطق ذات الأغلبية الكردية، في إطار خطة بغداد لفرض سلطتها عليها بعد انسحاب قوات البيشمركة منها، وترتب على ذلك تهجير قسري لمدنيين أكراد، فضلاً عن تدمير ونهب منازلهم وممتلكاتهم. تلك الانتهاكات وثَّقتها بعثة المساعدة التابعة للأمم المتحدة في العراق، وطالبت بمحاكمة مرتكبيها. كذلك، أفضى تمادي القوات العراقية في الزحف نحو مشارف مدينتي أربيل والسليمانية، متجاوزة خطة بغداد لإعادة الانتشار في المناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركة بعد انسحاب الجيش العراقي منها واحتلال «داعش» لها عام 2014، إلى استنفار بعض عناصر البيشمرجة للدفاع عن مناطقهم في مواجهة ما يعتبرونه احتلالاً عراقياً.
ورداً على سعي نظام بشار الأسد لسحق الثورة الشعبية بدعم روسي وإيراني، اتجهت المعارضة السورية لتلمس السبل العسكرية لإسقاطه، ومن ثم ظهر «الجيش السوري الحر» المدعوم من أطراف إقليمية، كما باتت أبواب البلاد مشرعة أمام منظمات وميليشيات مسلحة من كل حدب وصوب، مدعومة من جهات شتى، حتى بات مستقبل سورية ومصير الأسد مرتهنين بنتائج ومآلات المواجهات العسكرية الضارية على الأرض.

وهرع كل من حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردي، وقوات سورية الديموقراطية، المدعومين مِن واشنطن وموسكو ودمشق، إلى انتزاع حكم ذاتي في شمال البلاد وتنفيذ مشروع «روج أفا»، عبر بسط سيطرتهم على الأراضي التي اقتنصوها من «داعش» بدعم دولي، وإعلان نظام فيديرالي انفصالي في آذار (مارس) 2016، انتخبوا له لجاناً محلية في 22 أيلول (سبتمبر) الماضي، فيما يحضرون لانتخاب مجلس تشريعي لـغرب كردستان في كانون الثاني (يناير) المقبل، توطئة لربط الكانتونات التي تمت السيطرة عليها بدعم أميركي خلال السنوات القليلة المنقضية وإعلان استقلالها. وبعدما نجحت قوات سورية الديموقراطية في طرد «داعش» مِن الرقة، شرعت في تسليمها مباشرة إلى مجلس مدني لإدارة شؤونها، تأسس في نيسان (أبريل) الماضي لإدارة المدينة وريفها.

وبينما هرعت تركيا لتكثيف جهودها العسكرية داخل سورية توخياً للحيلولة دون إقامة دولة كردية في الشمال السوري من خلال إطلاق عملية «درع الفرات» العسكرية في آب (أغسطس) مِن العام الماضي، فقد دفعت بقواتها مجدداً لإقامة نقاط تمركز ومراقبة في إدلب، تحت مظلة اتفاق مناطق خفض التصعيد، فيما تشخص أبصارها صوب عفرين بغية إجهاض المشروع الاستقلالي الكردي، انخرطت واشنطن عسكرياً في الأزمة السورية، سواء على نحو غير مباشر عبر تقديم الدعم العسكري والسياسي لقوات سورية الديموقراطية ووحدات حماية الشعب الكردي وحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، أو في شكل مباشر من خلال إقامة قواعد عسكرية داخل سورية. وفي هذا السياق، أكدت دوائر غربية أخيراً، تموضع قوات أميركية في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات الكردية في سورية منذ عام 2015، مشيرة إلى وجود ثمانية مواقع عسكرية يتمركز بها عسكريون أميركيون معنيون بتنسيق عمليات القصف الجوي والمدفعي للقوات الأميركية، علاوة على ضباط أميركيين يتولون تدريب الكوادر العسكرية الكردية، وضباط مختصين في تخطيط العمليات، إضافة إلى وحدات عسكرية تشارك في أعمال قتالية مكثفة.
ومن جانبها، بدأت روسيا تدخلها العسكري في سورية في أيلول 2015 بهدف معلن يتمثل في محاربة الإرهاب وحماية الأسد من السقوط، وآخر غير معلن يتجلى في إيجاد موطئ قدم للتموضع العسكري الروسي طويل الأمد في المياه الدافئة، حيث تمت إقامة أربع قواعد عسكرية روسية في حميميم وحماة وطياس والشعيرات. وتتمركز القوات الجوية الروسية أساساً في مطار حميميم العسكري، لتشكل أكبر قاعدة عسكرية روسية، خارج روسيا، بعدما تم تزويدها بأنظمة رادار متطورة وأنظمة دفاعات جوية أهمها «إس 400». وأمَّن الروس تمركزهم هذا لنصف قرن مقبل على الأقل، بعدما أقرَّ الرئيس فلاديمير بوتين البروتوكول الملحق باتفاقية نشر القوات الجوية الروسية في سورية، والذي وقَّع عليه الطرفان في 18 كانون الثاني الماضي.

ولا توجد معلومات رسمية موثقة في شأن القوات الروسية في سورية، وإن تحدثت تقارير عن وجود آلاف من الضباط والجنود، فضلاً عن أسراب من الطائرات المقاتلة وطائرات التجسس، إضافة إلى العربات المدرعة والدبابات.
ومن جانبها، عمدت إسرائيل إلى استثمار التطور الدرامي للأزمات الإقليمية، عبر زيادة وتيرة خروقاتها لسيادة سورية من خلال استهداف مواقع عسكرية. وفي حزيران الماضي وخلال كلمة ألقاها في مؤتمر «هرتسيليا» الأمني السنوي، حدَّد وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان دواعي تدخل بلاده في سورية بوجود قنبلة موقوتة معدة للتفجير تمهيداً لهجوم إرهابي ضد إسرائيل، أو تعرض الأخيرة لاستهداف مباشر، أو وجود محاولة لنقل أسلحة متطورة لحزب الله. وبينما عبَّر عن أمله بأن تتوصل الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاقات إيجابية في شأن سورية، عاد ليبرمان وأكد أن هكذا تطور لن يؤثر في حرية التحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية في المستقبل.