شرف الدين: احتياطي مصرف لبنان من الذهب صمام أمان للاقتصاد

28-10-2017

أقام نادي روتاري بيروت متروبوليتان وبالتعاون مع اندية "روتاري البترون، روتاري بيروت هيلز، روتاري صور أوروبا، روتاري صيدا وروتاري عاليه، ندوة بعنوان "الاستقرار والثقة: وجهان لعملة قوية"، حاضر فيها النائب الأول لحاكم مصرف لبنان رائد شرف الدين، وذلك في قاعة Radison Blu في ال"Dunes" - بيروت، في حضور النائب الثاني لحاكم مصرف لبنان الدكتور سعد العنداري، رئيس نادي روتاري بيروت ميتروبوليتان فؤاد ابو حبيب، رئيسة نادي روتاري صيدا مايا غسان المجذوب ورؤساء واعضاء الأندية الروتارية المنظمة للقاء وحشد من الروتاريين من مختلف المناطق.

بعد النشيد الوطني ونشيد الروتاري، وتقديم من عريف الحفل دايفيد زين، تحدث ابو حبيب مرحبا بشرف الدين بإسم الأندية الروتارية الداعية للقاء، ومشيرا الى "ان الهدف منه هو تعميم الفائدة من خلال مقاربة الواقع المالي للبنان والاطلالة على السياسة المالية التي يعتمدها مصرف لبنان لحماية النقد والاقتصاد اللبناني".

شرف الدين

ثم استهل شرف الدين محاضرته بمقاربة للأبعاد الاجتماعية، الاقتصادية والنقدية والسياسية للاستقرار والثقة وعلاقتها بالرأسمال الاجتماعي، فرأى "أن الثقة تشكل عاملا جاذبا وضامنا للاستقرار مع تبدل الظروف، والاستقرار يشكل مصدرا ثابتا وبنيويا للثقة كدليل في وجه أي تشكيك أو تردد، وان الاقتصاديين وعلماء الاجتماع وعلماء السياسة اجمعوا على أن للثقة تأثيرها الإيجابي على النمو والاستقرار والدورة الاقتصادية، كما أنها تسهل المعاملات الاقتصادية والمالية وتحسن أداء المؤسسات"، معتبرا "ان عامل الثقة هو عامل حاسم في بناء الاستقرار السياسي، خاصة في زمن الأزمات".

ثم تناول واقع الاستقرار والثقة في المشهد اللبناني موردا في هذا السياق بعض الدراسات والتقارير العالمية حول تقييم الواقع الاقتصادي اللبناني فأشار مثلا الى أن "مؤشر الفساد العالمي لعام 2016 الصادر عن منظمة "الشفافية الدولية" أظهر أن لبنان احتل المرتبة 136 من أصل 176 دولة، وكذلك وفق مؤشرات اخرى احتل لبنان المرتبة 136 من أصل 138 بلدا في ما يتعلق ببيئة الاقتصاد الكلي، والمرتبة 119 من أصل 138 من حيث سلامة البيئة المؤسساتية، والمرتبة 117 من أصل 138 بالنسبة لوضع البنية التحتية، والمرتبة 104 من أصل 138 في ما يتعلق بجدوى سوق العمل، والمرتبة 125 من أصل 138 في ما يتعلق بالثقة بالسياسيين، والمرتبة 120 من أصل 138 في ما يرتبط بمؤشر الرشى، والمرتبة 135 من أصل 138 من حيث التبذير في الإنفاق الحكومي، والمرتبة 123 من أصل 138 في حماية الملكية الفكرية، والمرتبة 117 من أصل 138 في فعالية سياسات مكافحة الاحتكار، والمرتبة 125 من أصل 138 في ما يتعلق بعبء الإجراءات الجمركية، والمرتبة 123 من أصل 138 من حيث الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، والمرتبة 120 من أصل 138 في الاستعداد لتفويض السلطة".

ولفت ايضا الى "ان لبنان احتل المرتبة 126 من أصل 190 بحسب تصنيف البنك الدولي لممارسة الأعمال للعام 2017، بتراجع 4 نقاط عن العام الفائت، مسجلا مستوياته الدنيا في مجالي حماية صغار المستثمرين (145) وتسوية حالات الإفلاس (143)، وأن تقريرا للبنك الدولي يبين أن نظام المحاصصة التوافقية المعتمد في لبنان يخفض الناتج القومي بنسبة 9 بالمئة سنويا. كما تشير بعض الدراسات الى أن كل لبناني يخسر سنويا أكثر من 23.500 دولار من دخله بسبب سياسات التقاسم الطائفي".

وقال شرف الدين: "ما فاقم هذا المشهد تأزما، العبء الاجتماعي-الاقتصادي والتعقيدات السياسية والتداعيات الأمنية التي رافقت اندلاع الحرب السورية على حدودنا. إذ سجل نمو الناتج المحلي الإجمالي في لبنان نسبة 2% خلال عام 2016، بعد أن كان قد بلغ حوالى 10% في العام 2009. وهذا يعني أن الحرب السورية قد سببت إلى الآن خسائر اقتصادية للبنان تقارب 18 مليار دولار، أي ما يوازي 30% من إجمالي الناتج المحلي، مسببة انخفاضا تراكميا في هذا الناتج بحوالي 7,6 مليار دولار. إضافة إلى ذلك، ازداد العبء على المالية العامة والواقع الضريبي، فبلغت نسبة استدامة الدين في الحقبة التي أعقبت اندلاع الحرب السورية (نسبة تغير الدين العام إلى نسبة تغير الناتج المحلي) 195%، بعد أن كانت 75% قبيل الحرب. أما نسبة الإيرادات الحكومية إلى النفقات، فقد انخفضت من 80% في العام 2010 إلى 67% في العام 2016. كذلك انخفضت الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي من 17,4% قبيل الحرب إلى 13,6%".

من ناحية أخرى، اضاف شرف الدين - وفي مؤشر إيجابي، سجل معدل قيمة تدفقات التحويلات الداخلة إلى لبنان رسميا زيادة في الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب، مقارنة بفترة ما قبل الأزمة 2006 - 2011، حيث ارتفع من 6,6 مليار دولار إلى 7,2 مليار دولار. ومع ذلك، فإن معدل تدفقات التحويلات إلى الناتج المحلي الإجمالي انخفض من 21,5% قبيل الحرب إلى 16,1% في الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب.


وتطرق شرف الدين الى سياسة مصرف لبنان التي تعتبر ان الاستقرار والثقة صنوان فرأى "ان مصرف لبنان كان سباقا في انتهاج سياسة نقدية تجمع ما بين بناء الثقة واستدامة الاستقرار، عن طريق تبني رؤية توائم ما بين العصرنة والمحافظة. وقال: لذلك، تبرز الأهمية الاستراتيجية للدور الحيوي الذي يلعبه مصرف لبنان والقطاع المصرفي - المالي اللبناني في صيانة وتفعيل الأمن الاجتماعي - الاقتصادي في أبعاده المالية والتنموية لسد ما يمكن من ثغرات على الصعيد الاقتصادي، -الاجتماعي والتنموي. وفي هذا السياق، أضحت السياسة النقدية لمصرف لبنان، نموذجا يحتذى به في المصارف المركزية العالمية، حيث أثبتت نجاعتها وجدواها في مواجهة التحديات. وتقوم هذه السياسة على مبادرات وهندسات توازن بين صيانة الاقتصاد وتنمية المجتمع".

وعرض أهم مظاهر السياسة النقدية لمصرف لبنان لجهة "المحافظة على الاستقرار النقدي وسعر الصرف، مدعوما بموجوداته من العملات الأجنبية التي بلغت مستويات قياسية تعدت ال 43.3 مليار دولار، ومخزونه الوفير من احتياطي الذهب الذي يشكل صمام أمان للاقتصاد وتأمين استقرار معدلات الفوائد، وتأمين مصادر التمويل للقطاعين العام والخاص، وإدارة فائض السيولة الذي بلغ حوالى 20 مليار دولار من خلال إصدار شهادات الإيداع وتشجيع التسليف بالليرة اللبنانية، بما يجنب البلاد مخاطر التضخم وإدارة الدين العام للدولة اللبنانية بشكل مجد وفعال يهدف إلى الاستمرار في تأمين ملاءة الدولة اللبنانية".

واشار الى "ان أداء مصرف لبنان تميز بنجاعته في ابتداع المبادرات والحلول في مواجهة التحديات الإجتماعية-الإقتصادية-البيئية، وذلك من خلال إطلاق المبادرات التحفيزية للمصارف في مجال التسليف إلى القطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغية الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والسكنية والبيئية والتعليمية والفنية، وتأمين مزيد من فرص العمل وإعادة تكوين الطبقة الوسطى".

واضاف: "يتطلع مصرف لبنان إلى نمو في هذا القطاع ما بين سبعة وتسعة بالمئة سنويا خلال الثلاث سنوات المقبلة، وهو الذي يعتبر قطاعا واعدا للبنان، كما القطاع المالي وقطاع النفط والغاز. أما الهندسة المالية الأخيرة، فقد دعمت موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية التي بلغت مستويات غير مسبوقة تاريخيا. في حين أن العائدات المترتبة عن الهندسة حجزت في الشريحة الثانية من رأس مال المصارف لحشد قاعدتها الرأسمالية. وهذا من شأنه أن يمكن المصارف من تكوين مؤونات عامة إضافية قبيل تنفيذ المعيار الدولي للتقارير المالية رقم 9 (المعروف ب IFRS 9) في كانون الثاني 2018".

واشار الى "ان مصرف لبنان قام بتطوير نظام مصرفي موثوق من أهم سماته: الاستقرار المالي القائم على تحقيق مستوى سيولة مرتفع وكفاية رأس المال والحد من المديونية، السعي لتطبيق مبادئ الإدارة الرشيدة وحماية المستهلك من خلال انشائه وحدة الإدارة الرشيدة، تطبيق المعايير الدولية الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتنظيم حركة الأموال عبر الحدود ومكافحة التهرب الضريبي، مع احتفاظ لبنان بالسرية المصرفية، اتخاذ كل التدابير اللازمة وإصدار التعاميم المطلوبة لمواجهة المخاطر الخارجية، بما يحفظ سمعة لبنان ويمنع الأموال غير الشرعية من الدخول إلى السوق المحلية".

ورأى شرف الدين "أن السياسة النقدية التي يطبقها مصرف لبنان تعتبر علامة فارقة في المشهد المأزوم لواقع الثقة والاستقرار في لبنان، لا بل أضحت هذه العلامة نهجا ورؤية ومسارا أنتج ثمارا اقتصادية واجتماعية واضحة المعالم على صعيد لبنان، بحيث أصبحت مثالا يحتذى على صعيد المنطقة والعالم". وقال: "هذا النهج الذي يقوم على تكامل عاملي الاستقرار والثقة قد نجح إلى حد بعيد في تحجيم الهوة وتقليل الخسائر التي تسببها الثغرات في بنيان الثقة ومسيرة الاستقرار اللبنانيين. ويمكننا الجزم أن الآثار الإيجابية لهذا النهج تطال الواقع السياسي كذلك من خلال لجم التدهور في استقراره عند بلوغ ذروة تأزمه".

وختم بطرح بعض المفارقات كإرتفاع نمو الناتج المحلي إلى مستويات قياسية بعد سنتين فقط من شن أحد أكثر الحروب دموية وتدميرا على لبنان في العام 2006، ونجاح لبنان وفي الفترة ذاتها، في النأي عن خسائر أحد أخطر الأزمات المالية العالمية، التي ركعت اقتصاديات دول عظمى، واستدامة تداعياتها لسنوات بعدها، واستمرار تدفق رؤوس الأموال من دول الاغتراب اللبناني بالوتيرة نفسها، بل وتصاعده أحيانا وكيف نجح لبنان في الحفاظ على نسب نمو إيجابية في ظل تخبط إقليمي واستعار حرب ضروس لسنوات ست خلت على طول حدوده الشمالية والشرقية، مع ما تسببت به من أكبر أزمة نازحين منذ الحرب العالمية الثانية".

بعد ذلك كانت مداخلات وأسئلة من الحضور حول الواقع المالي والنقدي في لبنان اجاب عليها شرف الدين الذي سلمه رؤساء الأندية المنظمة للندوة شعار كل منها . واختتمت الندوة بحفل كوكتيل بالمناسبة.