استراتيجية روسية جديدة في الشرق الأوسط

26-10-2017 ناصر زيدان

الخليج

تتبدَّل ركائز السياسة الروسية اتجاه الشرق الأوسط، وهي اختلفت اختلافاً واضحاً عما كانت عليه عبر التاريخ، أو على الأقل منذ ما يناهز 240 عاماً. ففي العام 1772 كانت آخر محاولة للتدخل العسكري المباشر، عندما أرسلت الإمبراطورة الروسية كاترينا أسطولها العسكري عبر بحر الشمال إلى شرق البحر الأبيض المتوسط بهدف تقويض نفوذ الإمبراطورية العثمانية، وقد احتلت قواتها سواحل فلسطين ولبنان، وعادت بعد سنتين تاركةً عداوة مع الإمبراطورية الفرنسية التي كانت تعمل على توسيع نفوذها في المنطقة. وقد جاءت القوات الفرنسية بقوة بعد انسحاب الأسطول الروسي، واحتلت جيوش نابليون بونابرت مصر في العام 1799، وعاد نابليون ودخل موسكو عقاباً لها على انفلاشها في مناطق أوروبية وشرق أوسطية كانت تعتبرها باريس مداً حيوياً لسياستها الخارجية.
وخلال الحقبة السوفييتية، التي استمرَّت أكثر من 70 عاماً؛ لم تتدخل موسكو عسكرياً بشكلٍ مباشر في دول الشرق الأوسط، واكتفت بدعم حلفائها من خلال تقديم السلاح والتدريب، والمساعدات اللوجستية والاقتصادية، رغم أن حلفاءها كانوا أقوياء في مصر إبان فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي جنوب اليمن وفي سوريا والعراق في النصف الثاني من القرن الماضي.
وكانت استراتيجية موسكو في المنطقة تعتمد أيضاً على العامل الديني في فترة حكم القياصرة قبل العام 1917، عن طريق حماية وتشجيع المبشِّرين الأرثوذوكس، وبعد الثورة البلشفية استعملت موسكو الدعاية العقائدية الشيوعية للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة عن طريق دعم الأحزاب الشيوعية المحلية، أو مساندة الأحزاب اليسارية التي كانت تدور في فلك المعسكر الشرقي الذي قادته موسكو لعشرات السنين.
بدا واضحاً أن الاستراتيجية الروسية في المنطقة قد تبدَّلت تبدُّلاً كبيراً منذ العام 2015 حتى اليوم، وأخذت أشكالاً مختلفة تماماً عن السياق الذي كان معتمداً في الماضي، ذلك من خلال التدخُّل العسكري المباشر انطلاقاً من سوريا، وعن طريق المساومات التحالفية، وفي زيادة وتيرة المبادلات التجارية والسياحية مع أكثر من ساحة شرق أوسطية لم يكُن لموسكو تأثير عليها.
واضح أن الرئيس فلاديمير بوتين أحدث تغييراً نوعياً في سمات السياسة الخارجية الروسية، لا سيما في الشرق الأوسط. وهو يعتبر أن المنطقة، التي تقع على مقربة من حدود بلاده الجنوبية، فضاءٌ يمكن التحرُّك فيه لفرض مكانة دولية مُتقدمة لروسيا، وهو كان قد شعر أن بلاده فقدت هذه المكانة منذ العام 1990 تاريخ انهيار الاتحاد السوفييتي. ووراء الاندفاعة الروسية الجديدة شعور بالتهميش عاشته موسكو إبان مرحلة الأُحادية القطبية التي سادت العالم بعد العام 1991.
ازداد دور روسيا مكانةً وتوسُّعاً في السنوات الأخيرة، وهي استفادت إلى حدود بعيدة من التراخي الأمريكي الذي غلب على عهد الرئيس السابق باراك أوباما. ولم تستند موسكو في توسيع دائرة نفوذها على التدخل العسكري في سوريا فقط، بل إنها نسجت شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية مع أكثر من دولة عربية وشرق أوسطية، وعدد من هذه الدول ترتبط بحلف مع الولايات المتحدة، مثل تركيا على سبيل المثال.
وعززت موسكو من أواصر الصداقة مع مصر بعد وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم في العام 2014، رغم انتكاسة سقوط الطائرة المدنية الروسية فوق سيناء. كذلك الأمر، فإن علاقات موسكو مع دول الخليج العربي في المجالات الاقتصادية والتجارية - خصوصاً مع المملكة العربية السعودية - تطورت إلى حدودٍ مقبولة، وقد تبين هذا الأمر واضحاً من خلال الاتفاقات التي وقعها الملك سلمان بن عبد العزيز في زيارته إلى موسكو في 4 / 10 / 2017، ومنها اتفاقية لتزويد المملكة العربية السعودية بصواريخ مضادة للطائرات من نوع «اس 400» المتطورة.
وفي الحسابات الروسية جدول مواعيد علنية وسرية حافلة مع قادة وتنظيمات عربية وغير عربية، تهدف من خلاله إلى توسيع مكانة موسكو وتأثيرها على الأحداث. فالتواصل الروسي - «الإسرائيلي» قائم في أكثر من اتجاه، كما أن العلاقات الروسية - الإيرانية لا تشكو من إخفاقات، والتواصل الروسي - التركي دخل في مرحلة متقدمة، خصوصاً بعد انخراط تركيا في خطة «مناطق خفض التوتر» في سوريا التي اقترحتها موسكو، وكذلك بعد وعد روسيا لتركيا ببيعها صواريخ أرض - جو متطورة.
وما تسرَّب من معلومات عن الاتصالات القائمة بين الجانب الروسي وسلطات إقليم كردستان في العراق، يؤكد توسُّع مروحة الطموحات عند قادة الكرملين. فموسكو لم تأخذ موقفاً متشدداً من الاستفتاء على الاستقلال الذي حصل في كردستان في 25سبتمبر/أيلول 2017، برغم أنها لم تعترف بمفاعيله، ولكنها في نفس الوقت تُهيئ لمساعي تسوية بين بغداد وأربيل، وقد تلعب دوراً لتخفيف التوتر بين الإقليم وكل من تركيا وإيران، وكذلك الحد من تأثير التهديدات التي أطلقها الرئيس حسن روحاني والرئيس رجب طيب أردوغان إبان زيارة الأخير بعد الاستفتاء إلى طهران.
والمنحى الإضافي الآخر الذي تتوجه نحوه الطموحات الروسية الجديدة في دول الشرق الأوسط، هو الاستثمار في بعض القطاعات الحيوية، لا سيما في قطاع النفط والغاز. وقد وقّعت روسيا مع الحكومة السورية اتفاقية لاستخراج المخزون الموعود من النفط والغاز في المناطق الساحلية السورية، كما عبَّر رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف عن اهتمام واضح لبلاده بالاستثمار في المخزونات النفطية والغازية مقابل السواحل اللبنانية، خلال الاجتماع مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري والوفد المرافق في موسكو في 11سبتمبر/أيلول 2017.
ويمكن تسجيل نقاط إضافية جديدة في الاستراتيجية الروسية، من مؤشراتها التعاون الأمريكي - الروسي في بعض الملفات، وربما أهمها حول سوريا. وقد كشف مسؤولون أمريكيون عن اجتماعات عقدها ضباط روس مع ضباط أمريكيين في الأردن في شهر سبتمبر/أيلول الماضي.