سوريا الممزّقة بين نموذجين

26-10-2017 المستقبل
مصطفى علوش

«في شهر آذار 2011 ولدنا من جديد

الطفل فينا يقول دعونا فقط نحيا

سنصرخ حتى تنتزع حناجرنا

حتى تعود سوريا إلى ضمير العالم»

(أمل قصير، قصيدة مترجمة من الإنكليزية)

منذ بضعة أيام تعرفت إلى ولد في الثامنة من عمره إسمه بشار. كان الولد من ضمن عشرات من أقرانه يعيشون في مُجمع في مكان ما من طرابلس، مخصص لصغار الأيتام السوريين الذين أصبحوا لأسباب شتى موجودين في لبنان على الأرجح، دون أن يكون لهم خيار، ولم يتسببوا هم به أصلاً، ولا عندهم أسباب سياسية دفعتهم إلى اللجوء إلى لبنان.

كل واحد منهم لم يبلغ العاشرة من عمره، وبعضهم لم يعد يذكر بالأساس من أي مدينة أتى، وإن ذكر المدينة فهو يجهل الحي الذي وُلد فيه، وأكثرهم لا يعلم إن بقي له بيت هناك أو حتى أقارب.

كل ما يعرفونه هو أنهم سوريون وجدوا أنفسهم فجأة في مجمعات ذات طابع خيري تحت رعاية الغرباء، تحولوا فيها من أبناء فلان وفلانة إلى مجرد أيتام.

بالعودة إلى الطفل بشار، فقد فهمت من رعاة المجمع بأنه خسر أمه وأباه في دمشق في مجزرة حصلت في إحدى ضواحي المدينة، وكان عمره يومها حوالي ثلاث سنوات. فوجئت بمدى وعي وتهذيب بشار، فقد شرح لي بأن إسمه يعني حامل البشارة أو وجه السعد والأمل، وأنه لا يحمل أية عقدة من إسمه، ولا يبالي إن عيّره بعض الرفاق بهذا الإسم!

ولكنه قال لي بأنه يشعر اليوم بالذات بأن العدالة الإلهية بدأت تأخذ له حقه عندما أكد له بعض المشرفين على المجمع بأن قاتل والديه قُتل بعد أن انفجر لغم وضعته العناية الإلهية في طريقه!

بشار، حسبما فهمت، شديد الذكاء ومميز بشكل واضح في الدراسة، يريد أن يصبح مهندساً ليعود ويبني بيتاً في سوريا عندما يصبح قادراً على ذلك.

بشار نموذج صغير من مئات الآلاف من الأولاد السوريين، الذين وجدوا أنفسهم في بلاد الغرباء يعيشون في بيوت الغرباء، ويرعاهم بعض الغرباء، قليلون منهم يحلمون بالسفر إلى بلد تشعشع فيه الأضواء، وتعلو فيه الأنغام، وتحلو فيه الحياة. لكن المفاجأة هي أن أكثرية من قابلتهم مقتنعون بأنهم سيعودون يوماً ما إلى سوريا، إلى دمشق وحلب وحمص وحماة... إلى أحياء زالت عن الوجود، ومدارس تحولت إلى معسكرات اعتقال، وبيوت اختلط فيها ركامها مع الدماء والأشلاء والكتب... لمجرد أن فيها ذكرى والد أو والدة أو أخت أو أخ...

نموذج سوري آخر هو عصام جدعان زهر الدين، شخصية غير فريدة، فهو يشبه الكثيرين ممن لمعت أسماؤهم في التاريخ القديم والحديث: «ملاديتش»، «ديمانيوك»، «إيخمان»، «توركيمادا» وآخرون لا حصر لهم، يعبرون عن تفاهة الشرير في حياته وموته. فهو مجرد أداة ليس إلا، حتى وإن كان مقتنعاً حتى العظام بأن الشر الذي يرتكبه في سبيل الخير، وقد يكون له أتباع ومريدون، وحتى من يعتبرونه نبياً في بعض الأحيان.

لذلك لم تستفزني أبداً عبارات التمجيد والتقدير التي تكلل بها في مقتله، فبالنسبة لمن يندبه فإن تعليق جثث البشر المقطعة، وسحل البشر وراء العربات المصفحة ودوسهم تحت الجنازير، أو الرقص بين الرؤوس المقطوعة، ما هو إلا وسيلة لإرهاب العدو! مثلهم مثل جزّاري «داعش» في استعراضاتهم الدموية وسكاكينهم التي تحزّ على الرقاب، أملاً في أن يدب الرعب في قلوب الأعداء، فيجنحون إلى الإستسلام.

وأكثر من ذلك، فإنني لم أستغرب بالمرة أن يخرج نائب من جلسة البرلمان لينعيه، وآخر ليندبه أو يبكيه، ولم تزعجني قناتا «المنار» و»الدنيا» وغيرهما من الإعلام في نسجها الزجل والشعر في الفقيد العظيم، فالقتلة عند هؤلاء قديسون، ويعلو قدرهم في القداسة كلما زاد عدد ضحاياهم، طالما أن الهدف هو خدمة «القضية»، فيصبح الشرتوني مثلاً فيها بطلاً خالداً، يعني مثل غاندي ومنديلا وكينغ والقديسة تيريزا.

لكن المؤكد هو أنه لم يكن لهؤلاء «المسؤولين» و»النواب» ولا محطات بث السموم وجود، لولا خدمات زهر الدين وأمثاله.

غداً ستنتهي الحرب في سوريا، مهما طال الزمن، وسيعود بشار الصغير إلى دمشق ليبحث عن قبر والديه ليضع زهرتين، ولست أدري ما سيفعله إن قدر له ومر بقرب قبر زهر الدين وأمثاله.
مصطفى علوش - المستقبل