حسابات إنتخابية وبرودة شعبية

23-10-2017 الجمهورية
جوني منير

المعالجة السريعة للكلام المُسرّب عن النائب ستريدا جعجع حول مجزرة إهدن، إن لناحية الاعتذار الكامل الصادر خصوصاً عن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، أو لناحية ردّ الفعل المضبوط لدى تيار «المردة» قبل ان يُعلن قبوله الاعتذار، إنما أظهرَ وجود حقيقتين سياسيتين إنتخابيتين ستظللان المواجهات الانتخابية المقبلة.
أولى هاتين الحقيقتين أنّ تقاطع المصلحة ما بين النائب سليمان فرنجية وجعجع حول مواجهة الوزير جبران باسيل بأقصى قوة ممكنة، إنما يشكّل اولوية مطلقة لدى الطرفين تسبق أي اولوية أخرى مهما كانت حساسة، وهو ما يعني ايضاً انّ «القوات اللبنانية» و»المردة» سيبقيان على تنسيقهما وتناغمهما، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات النيابية وصدور نتائجها.

والثانية انّ هذا التقاطع السياسي والانتخابي غير قابل لأن يتطور ليصبح تحالفاً سياسياً كاملاً، كون الخلافات بين الساحتين اكبر واعمق من امكانية محوها، وهي تتجاوز الخطاب السياسي لتصل الى المصلحة السياسية المتعارضة بين الفريقين، اضافة الى المخزون التاريخي للحساسية والمشكلات بين المنطقتين.

وهو ما يثبت خوض كل فريق الانتخابات بلائحة مستقلة عن الآخر في الدائرة الشمالية الثالثة، مرّة لعدم القدرة على دمج الساحات، ومرة أخرى، وهي الأهم، لتجميع القوى والاحزاب التي تتمتع بتأثير في الشارع في اللائحتين، وبالتالي العمل على حرمان باسيل من رفده بقوى ناخِبة على أمل منع لائحته من الحصول على العتبة الانتخابية، او على الاقل إيصاله مُتعباً الى الندوة النيابية.

ويبدو انّ المناخ السياسي ذاهب الى مزيد من التشنّج كلما اقترب الوقت من موعد الاستحقاق النيابي، خصوصاً بعدما باتت الطبقة السياسية مقتنعة بأنّ الانتخابات حاصلة مع تراجع حظوظ إمكانية حصول تعديل في القانون الانتخابي.

وتراجع آمال التعديل نَتج عن عاملين اثنين:

• الأول، بسبب الموقف الواضح والحاسم للامين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله الذي تمسّك بعدم إجراء اي تعديل وبإجراء الانتخابات في موعدها المقرر.

• الثاني، هو التعديل الجديد في موقف رئيس تيار «المستقبل» الرئيس سعد الحريري الذي اقتنع بوجهة نظر الخبير الانتخابي للتيار وهو من آل شهاب، والقائلة إنّ حصولها على أساس صوت تفضيلي واحد يصبّ في المصلحة الانتخابية لتيار «المستقبل» أكثر بكثير من إجرائها على اساس صوتين تفضيليين.

ووفق هذه المعطيات الجديدة، بات الجو الفعلي السائد لدى القوى السياسية أنّ الانتخابات حاصلة، وانّ قطار الاستعدادات انطلق. وفي حين تبدو هذه الانتخابات مهمة جداً بعد ثلاثة تمديدات للمجلس النيابي الحالي، لا تزال التحالفات النيابية غامضة وغير واضحة نتيجة تأثرها بالحسابات الانتخابية المعقدة لقانون انتخابي جديد يتمّ اختباره للمرة الاولى، اضافة الى دخول العامل الاقليمي بقوة على الخط، وتحديداً العامل السعودي.

وبعد لقاءات السعودية تحدث جعجع من اوستراليا عن توقعاته بأيام حارّة اقليمياً او لبنانياً، في وقت كان الوزير السعودي ثامر السبهان والمهتم بمتابعة الملف اللبناني مستمر في مواقفه النارية، وكان آخرها من الرقة في سوريا بعد تحريرها من «داعش».

وعلى رغم انّ صورة التحالفات حالياً لا تزال تؤشّر الى استمرار مبدأ التحالف الانتخابي بين تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر»، إلّا انّ همساً قوياً يدور في كواليس تيار «المستقبل» حول طلب سعودي سيظهر في اللحظة الاخيرة يتضمن دعوة الحريري الى خوض الانتخابات بعيداً عن «التيار الوطني الحر» مع ترك الحرية له في التحالفات الجديدة.

ونقل عن وزير الداخلية نهاد المشنوق قوله في أحد هذه اللقاءات: «أنا واثق من أنّ تيار «المستقبل» لن يكون الحليف الانتخابي لـ»التيار الوطني الحر». وفهم من كلامه انه يستند الى أجواء سعودية، وهو الذي نفّذ انعطافة سياسية حادة وباشَر سلوكاً هجومياً في اتجاه الوزير جبران باسيل، وحتى في اتجاه رئيس الجمهورية.

لكنّ هذا المناخ السعودي لن يصل الى حدود نقض التسوية التي تمّ نسجها وقضَت بوصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا، والحريري الى السراي الحكومي. فهذه التسوية التي شارك فيها «التيار الوطني الحر» وتيار «المستقبل» و«حزب الله»، ومن خلفهم الرياض وطهران وواشنطن، أمّنت استقراراً سياسياً مَكّن لبنان من تجاوز مطبّات كثيرة، وأمّن له القضاء على التنظيمات الارهابية في الجرود والخلايا النائمة في الداخل. فالانتخابات ونتائجها شيء والمحافظة على التسوية السياسية العريضة شيء آخر.

وبعد إهمال للملف اللبناني لسنوات، بَدت السعودية وكأنها تريد إحداث تعديل في توازنات المجلس النيابي والحَدّ من قوة «حزب الله» والغطاء القوي الذي يؤمّنه رئيس الجمهورية.

ولذلك، يتردّد في الكواليس الانتخابية انّ تيار «المستقبل»، وفي حال حصول الطلب السعودي، سيعمل على رسم خريطة تحالفات إنتخابية لا علاقة لها بانقسام «8 و14 آذار» كما يروّج البعض، بل مثلاً سيتعاون مع لائحة «المردة» في الدائرة الثالثة في الشمال ومع «الكتلة الشعبية» في دائرة زحلة.

لكن لهذه الانتخابات جانب آخر، هو الاكثر حساسية، خصوصاً على الساحة المسيحية، وهو فرض الرئيس المقبل للجمهورية. وبالتالي، فإنّ التقاطع الانتخابي بين «القوات» و»المردة» إنما يرتكز على هذه القاعدة الصلبة. جعجع يحتسب على أساس تعزيز حصته النيابية وفرض نفسه كممثل كبير للشارع المسيحي طالما انّ وصول عون الى رئاسة الجمهورية ارتكز في بعض جوانبه على هذا المعطى.

ومن هنا يمكن تفسير إطرائه الدائم لرئيس الجمهورية وعلى اساس انّ أسلوبه الرئاسي القوي يستند الى تمثيله الشعبي المسيحي الكبير، ما يعني ضمناً وجوب الاستمرار في المواصفات نفسها للحفاظ على موقع الرئاسة. وهو بالتالي يتعاطى مع النائب سليمان فرنجية على اساس انه غير قادر على مجاراة الحجم النيابي المتوقّع لـ«القوات» ما يجعله منافساً غير خطر، وانّ الخصم الوحيد الجدّي هو باسيل الذي سيستند الى حجم التمثيل الشعبي الواسع لـ»التيار الوطني الحر».

في المقابل، فإنّ فرنجية يدرك تماماً انّ التوازنات الاقليمية هي المستند الفعلي والصحيح للوصول الى قصر بعبدا، وهو ما حصل مع عون، ولو انّ عامل التمثيل المسيحي دخلَ في بعض الجوانب الحسابية مع معركة وصول عون الى قصر بعبدا. وبالتالي، فإنّ عدم اكتمال الموافقة السنية والشيعية لن يسمح بفتح طريق قصر بعبدا، او بمعنى أوضح فإنّ وجود «فيتو» سنّي او شيعي سيشطب إسم الساعي الى دخول قصر بعبدا، وهو ما حصل تحديداً مع عون الذي سلك طريق قصر بعبدا بعد إزالة «الفيتو» السني عنه بموافقة السعودية.

أضف الى ذلك وجوب ان يحمل المرشّح الرئاسي حداً أدنى من تمثيل الشارع المسيحي لتكتمل حظوظه الرئاسية. ووفق هذه الحسابات، فإنّ مرشحين فقط يحملان المواصفات المطلوبة لدخول قصر بعبدا، وهما باسيل وفرنجية، فيما «الفيتو» الشيعي سيمنع جعجع من انتخابه، وهو الذي حاول سابقاً فتح قنوات التواصل الفعلية مع «حزب الله» ولكن بلا نتيجة.

امّا باسيل فهو يتكئ على ورقة إضافية وهي دعم رئيس الجمهورية له، وهو ما يشكّل نقطة قوة اضافية لمصلحته، الى درجة انّ بعض الديبلوماسيين الغربيين لم يستبعد، وفي حال جاءت نتائج الانتخابات النيابية ملائمة، أن يقدّم رئيس الجمهورية استقالته في لحظة مدروسة بعناية فاتحاً الباب امام انتخاب باسيل لرئاسة الجمهورية تحت إشرافه وبرعايته المباشرة، على أساس انه يشكّل امتداداً لنهجه السياسي ومشروعه ورؤيته، تماماً كما فعل حين تنازل عن رئاسة «التيار الوطني الحر».

ولكن قبل ذلك، هنالك حمّى الحملات الانتخابية، ولو انّ الشارع يبدو بارداً ومتردداً لأسباب كثيرة أهمها الاحباط الذي أصابه بعد زوال الشعارات التي قسّمت اللبنانيين بين معسكري «8 و14 آذار»، وبَدت أنها كانت أوهاماً اكثر منها حقيقة.

في الولايات المتحدة الاميركية هنالك ازمة مشابهة، ولو من زوايا مختلفة، فتحضيراً للانتخابات النصفية بعد نحو سنة، يعمل الحزب الديموقراطي الاميركي على تجييش قاعدته الناخبة، ما دفع الرئيس الأميركي السابق باراك اوباما الى الدخول مباشرة على الخط، خصوصاً لتأمين فوز حاكم ولاية فرجينيا وحاكم ولاية نيوجرسي، والسبب انّ مرشّحي الحزب الديموقراطي أبيضان في مناطق ذي غالبية سوداء.

ولذلك يحاول اوباما جاهداً إقناع المواطنين ذوي الاصول الافريقية بالذهاب الى صناديق الاقتراع، لكنّ السؤال الذي يطرح هو طريقة إقناع الناخبين الأكثر ولاء للحزب بالتصويت في انتخابات لم تترشّح لها الشخصية التي يفضّلون. ذلك انّ التركيز فقط على عامل كراهية دونالد ترامب، على أهميته، لا يشكّل خياراً محفّزاً وكافياً للذهاب الى صناديق الاقتراع.

في لبنان، ثمّة ما يوحي بوجود شيء مُشابه مع فارق أن لا أحد يحسب له حساباً.

جوني منير - الجمهورية