"مش موفّاية معي"... تختصر القصة

18-10-2017 ستيفني اسحق


تركت بلدتها.. للعمل أو الدراسة أو الاثنين معاً.
انه لبنان الصغير بحجمه والكبير بأهدافه وبطموح شبابه. ما من فرص عملٍ على مستوى الشهادة وما من مردودٍ محترم اذا وجد العمل.
وليؤسِس الشباب مستقبلهم يضطرون في أغلب الاحيان للمكوث وحدهم في غرفة خاصة في "foyer" أو على مشاركتها مع غريب، وفي حالات قليلة يستأجر الأهل لهم منزلاً صغيراً أو ما يعرف بـ"Studio".
هنا تبدأ القصة، تبدأ الحياة الفردية "للشاب" حيث يشعر بالفرح والهيبة فهو مسؤول عن نفسه ومسؤول عن كل ما يجري معه داخل جدران هذا المنزل الباهت، الفارغ، الكئيب... منزلٌ تسمع فيه رنة الابرة، لا من أم تنادي أولادها ليأكلوا ولا من أب يوبّخ أبناءه ولا من أخوة يتعاركون... يدفع مبلغ جيّد من المال ليعيش في هذه الأجواء، أجواء من الوحدة والهدوء...
نعم أجواء من الهدوء ولكن الهدوء المتعب للنفس والجسد، هدوء يفرضه عليهم صاحب المسكن الذي ينسى أنه والدٌ أو والدة ويتصرف مع المستأجر "الطالب" وكأنه زبون لا يتمتع بأي حقوق وواجبه الدفع، والدفع المسبق أي في بداية الشهر فلربّما قرر الهروب في منتصفه... زبون لا يحق له الاعتراض على اي صفة في البضاعة واذا وجدت لا يلقى جواباً... زبون يدفع ثمن السلعة ولكن من دون كفالة تضمن له انها لن تتعطل بعد فترة قصيرة ويضطر لدفع أجر تصليحها...هو كالزبون الذي يشتري قنينة مياه فارغة ويجبر على تعبئتها بالمياه ومن جيبه.
انه الواقع، هذه الفتاة التي تركت منزل أهلها وبلدتها ومحيطها للدراسة والعمل، مجبرة على التعايش مع عالم جديد، عالم التجارة.
نعم انها تجارة الموسم، منزل من ثلاث غرف مثلاً في كل غرفة شابتين وعن كل سرير مئتي دولار اذاً 1200 دولار شهرياً لصاحب المنزل: يدفع منها اشتراك خط انترنت متوقف لا يعمل الّا ساعتين في النهار، واشتراك موتور لا يتحمل براد وضوء وفاتورة الكهرباء التي أيضا لا يمكن ان تتحمل أكثر من البراد وسخان الماء ولا يمكننا أن ننسى عاملة المنزل التي أن اتت لتنظف الغرف المشتركة لا تستطيع أن تتخطى الساعة في العمل كي لا تصبح "over budget"...
انها تجارة أصحاب الشقق القريبة من الجامعات، والذين لا يأبهون الا لربحهم ولأثاث منزلهم... متناسين أن المستأجر هو مجرد طالب يعمل ويدرس ليل نهار ليحقق هدفاً في هذه الحياة، هدف يتساعد مع أهله ليحققه وحتى ولو على حساب راحتهم... وأنتم من تصعبون الأمور..
هل من الصعب جداً أن تعاملوا هذا الشاب أو هذه الصبية كما تعاملون أبناءكم؟ الا يمكن ان تصغوا اليهم وتساعدوهم للتعايش مع هذه الحياة الجديدة من دون ان توجهوا لهم أي لوم أو اساءة أو حتى تسمعوهم أن الامر "كلو خسارة بخسارة"، و "مش موفاية معي"، و "لازم انتو تأمنوا تنظيف البيت وتشتريوا جرة الغاز"؟ وغيرها الكثير...
انها قصة مختصرة لما يمر به شباب لبنان خلال حياتهم الجامعية بعيداً عن أهلهم... انها قصة تضاف الى متاعب وصعوبات الدراسة...
فهل من يسمع صرختهم؟
...أنتم أصحاب المنازل معظمكم من الأهالي ما لا تقبلونه لأولادكم... لا تقبلوه لأولاد الناس.