ندرة المياه في المنطقة: 30% من الاستهلاك يأتي من مصادر غير مستدامة

06-10-2017

في ظل ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يجري تجاهل المخاطر التي تأتي من الطبيعة. لم تثر تقارير المؤسسات البيئية الذعر عندما حذّرت من أن المنطقة بأغلبها لن تكون صالحة للحياة خلال 60 عاماً، أو أننا أمام أزمة زراعية سترفع نسبة الجائعين بشكل دائم بنسبة 60%. اليوم يحذّر البنك الدولي من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر المناطق ندرة من حيث المياه في العالم، إذ يعيش 60% من سكان المنطقة في مناطق ذات مستوى مرتفع أو مرتفع جداً من إجهاد المياه السطحية، مقارنةً بالمستوى العالمي البالغ نحو 35%

يشير تقرير حديث للبنك الدولي إلى أن 70% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة يتحقق في مناطق تعاني من إجهاد المياه السطحية بمستويات مرتفعة، أي حوالى 2.5 تريليون دولار من الناتج المحلي، ما يزيد من تهديد اقتصادي هائل إلى المخاطر القائمة. وتعدّ كل من إيران والسعودية والإمارات أكثر الاقتصادات تعرضاً للإجهاد المائي.

يرى البنك الدولي في تقرير بعنوان «ما بعد الندرة: الأمن المائي في الشرق الأوسط وشمال أفریقیا» أن التغيير المناخي سيرفع من مستوى إجهاد المياه السطحية في البلدان التي تعاني أوضاعاً سياسية وبيئية هشّة كالعراق، ولبنان، والأردن، والمغرب، وسوريا. كما ستزيد مخاطر الفيضانات وتملّح مستودعات المياه الجوفية في المناطق الساحلية، وخاصة المفرطة في استخراج المياه الجوفية، إذ إن ذلك يفتح المجال لتدفق المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية. كما يشير التقرير إلى المخاطر المترتبة على شط العرب والنيل، حيث قد يتضاعف مستوى خسائر الفيضانات السنوية مع حلول عام 2050، مقارنةً بعام 2005 في مناطق كدلتا الإسكندرية.
يعتبر البنك الدولي أنه في حين كانت هذه المنطقة دوماً تعاني من ندرة المياه، إلا أن التحديات الراهنة تتخطى ما كانت عليه في المراحل السابقة لوجود تحديات جديدة تفرض أزمات وتعقيدات تصعّب الأمور أكثر، إذ تربط بين «المياه والغذاء والطاقة وتغيّر المناخ، والجفاف، والفيضانات، وجودة المياه، وإدارة المياه العابرة للحدود، وإدارة المیاه في أوضاع الهشاشة والصراع والعنف».
يحذر التقرير من أن هناك عدداً كبيراً من البلدان في هذه المنطقة بدأت بالفعل تستهلك قاعدة مواردها المائية نتيجة سوء إدارة المياه على مرّ عقود، مصحوبةً بنمو اقتصادي وسكاني متسارع لم تشهد المنطقة مثيلاً له في تاريخها. ويقول إن هذه التبدلات الديموغرافية والاقتصادية «أربكت» آلاف السنين من الاستثمارات والابتكارات في مجال إدارة المياه، ما أدّى إلى تدهور النظم الإيكولوجية وتفريغ المكامن الجوفية نتيجة السحب المتواصل للمياه غير المستدامة. وأدّى ذلك في بعض دول المنطقة إلى تجاوز أكثر من نصف عمليات سحب المياه الحالية حدود الاستدامة، أي أن نصف الماء المستخدمة لا يستخدم مرة أخرى. ويتم استخدام المياه الجوفية في ظل غياب المصادر البديلة أو الحماية ضد الجفاف، كما أنه يصعب التوقع بشكل مسبق متى قد تنفد المياه الجوفية نظراً إلى غياب اليقين حيال كمية المياه الجوفية الكلية الموجودة.
تتراوح نسبة ندرة المياه بين دولة وأخرى في المنطقة، وتختلف طبيعة الأزمة التي قد تواجهها تلك الدول، فمنها من يعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية كليبيا، والسعودية، وجيبوتي، وعمان، ولبنان، وإيران... ومنها من يعتمد على الأنهار العابرة للحدود والمياه السطحية بشكل أساسي كمصر والمغرب والجزائر، أو بشكل جزئي كسوريا والعراق... في حين أن بلداناً كدول الخليج تعاني من شح شديد في المياه اضطرها إلى اللجوء إلى تحلية مياه البحر لتأمين معظم حاجاتها المائية (باستثناء السعودية).


70% من الناتج المحلي
الإجمالي للمنطقة يتحقق في مناطق تعاني إجهاد المياه

يشير التقرير إلى أن نوعية المياه أيضاً تدهورت نتيجة الاستهلاك غير المستدام، وتصريف المياه المالحة من تحلية المياه، والتلوث، والمياه العادمة غير المعالجة. ويقدّر البنك الدولي أن تكلفة تدهور جودة المياه في المنطقة ما بين 0.5% و2.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً. وتتراوح آثار سوء الإدارة من أضرار صحية ناجمة عن انتشار الأمراض المنقولة عن طريق الماء إلى فقدان خدمات النظم الإيكولوجية ومصايد الأسماك إثر تلوث المسطحات المائية العذبة والبحرية. ففي شبه الجزيرة العربية وحدها، تتعرض 17% من الكائنات التي تعيش في المياه العذبة لخطر الانقراض بحسب الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. وبحكم الطبيعة شبه المغلقة للخليج، تتراكم مياه الصرف الصحي غير المعالجة في «فخ الملوثات»، ما يهدد النظم الإيكولوجية البحرية. ويذكر تقرير البنك الدولي أن حوالى نصف المياه العادمة التي يتم جمعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاد إلى البيئة من دون معالجة، فيما تتم معالجة حوالى 43% ولا يعاد استخدام سوى 18% منها.
يعيش حوالى ربع سكان ليبيا وسوريا والبحرين والعراق وإيران وعمان واليمن في مناطق تعاني إجهاداً كبيراً للمياه الجوفية. ويظهر التقرير أنه تصل الأمور إلى هذا المستوى من التدهور بشكل أساسي إما نتيجة فتح المجال أمام استخدام المياه غير المتجددة أو عبر سحب المياه بدرجة أسرع من تراكمها في الطبيعة. يقارن التقرير كمية المياه الموجودة في بلد ما (حساب المياه) بحساب مصرفي. ويقارن استخدام المياه غير المستدام بسحب المال من الحساب بمعدل أكبر وأسرع من معدل كمية وسرعة إيداع المال فيه. فإذا اختارت الدولة المسار غير المستدام لسحب المياه من حساب الماء، لا بد لها على الأقل من تأمين أساليب أخرى لضمان إنتاج المياه (تحلية مياه البحر) أو للحفاظ عليها (خفض نسبة التسرب). ويتبع التقرير مؤشر استدامة المياه الزرقاء لقياس «حساب المياه» يتراوح بين 0 و1 بحيث إنه إذا كانت قيمة المؤشر 0.5 لبلد ما، فإن ذلك يعني أن 50% من الاستهلاك المائي لهذا الاقتصاد يأتي من مصادر غير مستدامة. ويقول التقرير إن ما يدفع الاستخدام غير المستدام للمياه بشكل رئيسي هو الاستخدام المتزايد للماء في الزراعة أو في توسيع المناطق المروية، وبدرجة أقل الانخفاض في مدى توافر المياه السطحية. وتظهر معلومات مؤشر استدامة المياه أن حوالى 30% من الاستهلاك المائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يأتي من مصادر غير مستدامة.
في الأردن على سبيل المثال، يظهر التقرير أن عمليات السحب المفرطة للمياه السطحية الطبيعية في حوض نهر الأردن، بمعدل أعلى من معدل تجددها في الطبيعة أدت إلى انخفاض كبير في التدفقات وإلى تدهور الموقع البيئي للنهر. أما في نظام دجلة والفرات، فقد أدى التطور السريع وغير المنتظم في الدول المشاطئة الثلاث (تركيا، سوريا والعراق)، إلى جانب الاستغلال، إلى تغيير نظام تدفق النهر، ما تسبب في انخفاض نسبة التدفقات في مجرى النهر في العراق حوالى 40% - 45%، ما نجم عنه آثار كارثية على النظم الإيكولوجية وسبل العيش في المناطق الدنيا من دجلة والفرات. ينتشر الاستغلال غير المستدام للمياه الجوفية أيضاً في المنطقة على نطاق واسع، وخاصة في دول الخليج حيث 50% من استهلاك المياه الجوفية غير مستدام، بحيث إنها، إلى جانب ليبيا وإيران، تستهلك المياه الجوفية بكمية أكبر بنسبة 25% من النظم النهرية.
وبحكم الإطار الأيديولوجي للبنك الدولي، تتمحور الحلول التي يطرحها حول الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تأمين الحاجات والاستدامة المائية وتجنّب الأزمات، أي ما يطرحه هو خصخصة المياه الجوفية والأنهار وحتى البحر، بحجة أن ذلك من شأنه خلق الحوافز والعوامل لتأمين الحاجات المائية. في المقابل، تظهر التجارب السابقة في مناطق عدة حول العالم فشل خصخصة الماء كمشروع إنمائي. تشير البحوث إلى أن موجة خصخصة المياه باتت في السنوات الماضية على مشارف الانتهاء.
توجهت خلال السنوات الماضية مدن عدة حول العالم الى توقيع عقود قد تطول عشرين عاماً مع شركات خاصة. وتشير دراسة «وحدة البحوث الدولية للخدمات العامة» نشرت عام 2015 الى أن 180 مدينة ومجتمعاً في 35 دولة، منها بوينس آيرس وجوهانسبرغ وباريس وبرلين وغيرها من المدن أعادت إدارة الماء إلى البلديات. وبحسب التقرير، فإن الاختبار المباشر لمشاكل خصخصة إدارة الماء وعدم الاستثمار في البنى التحتية ورفع التعريفة والمخاطر البيئية... أقنع السياسيين والمجتمعات بأن القطاع العام هو الخيار الأفضل «لتقديم الحق الإنساني بالحصول على الماء»، بحسب التقرير، وخاصةً في ظل التطورات التكنولوجية التي تسهّل العملية ككل.
 

ناصر الأمين - الاخبار