عون وسوريا: درس بالفرنسي!

27-09-2017 ملاك عقيل

 

مشهد أكثر من معبّر ودرس في السياسة لمن يريد أن يتعلّم.
ميشال عون في باريس بعد 26 عاما من نفيه الى العاصمة الفرنسية. هي أول زيارة دولة لرئيس في عهد ايمانويل ماكرون وزيارة دولة استثنائية لـ "جنرال" خاصم سوريا وشنّ حربا عليها فاستحق نفيا مشرّفا. كل ذلك في زمن الاحتلال والوصاية، لم يهادن ولم يستسلم ولم يخضع ولم يقبل بأي نوع من التسويات. بعد ذلك، بعد طيّ صفحة الاحتلال ورهن القرار اللبناني عاد وفتح صفحة جديدة مع سوريا. ابقى على "خطه" والتزامه مع دمشق حتى بعد اندلاع الأزمة في سوريا ودخولها نفق الارهاب. سوريا التي يريد أن يفتح خطوطا رسمية معها اليوم، وعلى أعلى المستويات، من أجل أن يضع لبنان على سكّة الحل في مواجهة أخطر أزمة مصيرية ووجودية يتعرّض لها لبنان في عصره الحديث وعنوانها النزوح السوري.
بالمقابل، تسمع أصوات الاستنكار والتنديد والتهديد بالويل والثبور ضد أي مسؤول لبناني يعقد لقاء مع أي مسؤول سوري حتى لو كان من نوع اللقاءات التي تسهم في ترييح الداخل اللبناني اقتصاديا أو من تلك الممهّدة لحل آمن وعادل ومنطقي ومشروع وملحّ لأزمة النزوح الخطيرة. لكن أصوات الاستنكار لا تسمع من أي كان. تحديدا من الفريق السياسي الذي خاوى الاحتلال السوري حتى العظم، ودخل في بازارات البيزنس والسلطة معه. خضع له وسمح "باستخدامه" وانصاع لسياسته الفوقية. كل ذلك في زمن الوصاية والاحتلال. بعد "التحرير" والتحرّر من السوري علّى السقف ثم هادن بقوة. غرف قصر المهاجرين شاهدة على ذلك. الـ "سين سين" شاهدة أيضا. دخلت سوريا فم التنين فعرّم أكتافه وهاجم وقاطع ونأى بنفسه ولا يزال.
اليوم يعود الانقسام السياسي بشأن سوريا الى سابق عهده، مهدّدا بهزّ عرش رئيس حكومة من برّأ دمشق سابقا وعلى العلن من دمّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري واعترف بالاتهامات السياسية المتسرّعة بحقها. حدث ذلك يوم قفز الرئيس سعد الحريري العام 2010 فوق كلّ حسابات ما بعد 14 شباط 2005، بعد ثلاثة اجتماعات عقدها مع الرئيس السوري بشار الاسد في دمشق، معلناً عن إجراء تقييم "للاخطاء التي حصلت من قبلنا مع سوريا"، ومؤكّداً أنّه في مرحلة "اتّهمنا سوريا باغتيال الرئيس الشهيد، وهذا كان اتهاماً سياسيّاً". يومها أقرّ الحريري أيضاً بأنّ شهود الزور ضلّلوا التحقيق والحقوا الاذى بلبنان وسوريا.
وبالحرف الواحد قال "لا أريد أن اتكلّم كثيراً عن المحكمة، لكنّي سأقول فقط إنّ للمحكمة مسارها الذي لا علاقة له باتهامات سياسيّة كانت متسرّعة". جاء ذلك في حديثٍ ادلى به الى جريدة "الشرق الاوسط" السعودية في 6 ايلول 2010.
الأزمة السورية أرخت بثقلها على الداخل. كارثة النازحين تتجاوز بقساوتها كل الاغتيالات التي طالت مسؤولين لبنانيين، لا بل أن تداعياتها في المستقبل في حال عدم الركون الى لغة العقل ستكون كارثية ومهدّدة لمصير البلد برمّته. كارثة النازحين هي اغتيال جماعي للبنان. ميشال عون الذي نفي الى فرنسا بعد حرب خاسرة مع سوريا يقول أن لبنان سيبحث مع دمشق مسألة عودة النازحين، مؤكدا أن هناك "مشاورات قيد البحث". الفريق الرافض لأي حوار مع سوريا بشأن هذا الملف يعوّل على غضب أممي على لبنان قد يدفع ميشال عون الى التراجع. وبانتظار ذلك، العين ترصد الحكومة. هل ستُبقي الملف خارج حيطانها مع تأكيد الاحصاءات أن عدد السوريين في لبنان بات يتجاوز نصف عدد اللبنانيين فتدير ظهرها لأدق وأخطر مسؤولية وطنية ألقيت على عاتقها، أم تطرح الملف على الطاولة وتحاول سلوك أقصر الطرق وأسهلها للمباشرة في حلّ أزمة النازحين؟