المحاكمة آتية: سياسيون أم عسكريون؟

06-09-2017 ملاك عقيل

فور عودة وزير العدل سليم جريصاتي من الخارج بعد العطلة وبناء على الملف الذي أعدّه واطلع رئيس الجمهورية مسبقا عليه، وجّه كتابا الى النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي سمير حمود، طلب فيه "إجراء التعقبات بشأن جرائم قتل عسكريين في عرسال من الجيش وقوى الامن الداخلي، من قبل تنظيمي داعش وجبهة النصرة الارهابيين، على ان تشمل هذه التعقبات جميع الجرائم المتفرعة وجميع الاشخاص الذين شاركوا او تدخلوا او حرّضوا على ارتكابها". الاستجابة السريعة لطلب رئيس الجمهورية فتحت الباب على تساؤلات وسيناريوهات قد تدخل الملف برمّته بازار التجاذب السياسي قبل حتى أن يباشر المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود تحقيقاته.
وكان موقف الرئيس نبيه بري الاستباقي قد قطع الطريق أمام احتمال قيام لجنة تحقيق برلمانية تتولى الملف حين رفض تحميل المسؤولية لسلام وقهوجي، مع العلم أن تأليف هذه اللجنة يتمّ من خلال طلب صادر عن مجلس النواب.
وتفيد معلومات أنه بعد قيام مدعي عام التمييز بتحقيقاته الاولية عبر الضابطة العدلية يحيل الملف في حال الادعاء الى المرجع المختص، وقد يكون قاضي التحقيق العسكري الاول أو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ( إذا كانت الاتهامات تطال سياسيين) .
ويفيد مقرّبون من رئيس الجمهورية ان الهدف من التحقيق تناول الملف للمرة الأولى من زاويته القانونية والقضائية وليس السياسية، مع العلم ان القيادة العسكرية السابقة، موضع الاتهام اليوم "بالسياسة"، أجرت تحقيقا في أحداث عرسال والخطف وبقي التحقيق سريا.
ومن جهة ثانية التأكيد ان التحقيق يتعلّق بحادث أليم بعينه ولا يستهدف أشخاصا بحد ذاتهم، وهذا ما يفترض ان يضع الامور في نصابها الصحيح، وأن يطوي صفحة المخطوفين العسكريين نهائيا.
ويشير هؤلاء الى أن التحقيقات الأولية يجب ان تبقى سرّية بحكم القانون وأن لا تصبح مادة للتراشق السياسي بحيث لا تصبح علنية إلا بعد صدور القرار الظني.
ومنذ الان فتح باب التساؤلات إذا التحقيق الذي سيجرى للمرة الأولى على هذا المستوى سيفرض استدعاء قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي ومدير العمليات العسكرية آنذاك زياد حمصي والرئيس سلام نفسه أو حتى أعضاء الحكومة آنذاك للاستماع الى أقوالهم وإفاداتهم بشأن المناخات السياسية التي رافقت وقف إطلاق النار أو الإجراءات التي اتّخذتها القيادة العسكرية لمنع "النصرة" و"داعش" من "تهريب" العسكر من داخل عرسال.
لكن هذا الأمر يبقى في إطار التكهنات لا أكثر خصوصا انه لم يعرف بعد "وجهة" التحقيق فهل سيكون عسكريا محض مع ما يعني ذلك من حتمية الاستماع الى قائد الجيش السابق المعني الأول لناحية موقعه العسكري آنذاك والى ضباط كبار من قادة الوحدات المقاتلة التي كانت متواجدة آنذاك، ومن بينهم قائد فوج المغاوير السابق العميد شامل روكز الذي جاهر بمواقفه على الاعلام مؤخرا خصوصا لناحية إشارته الى سوء التقدير الذي وقعت فيه القيادة العسكرية آنذاك، أم أن التحقيق سيكون "خلطة" عسكرية سياسية يتخوّف البعض من ان تكون مجرد تحقيقات شكلية لمحاسبة يستحيل أن تحصل بسبب موازين القوى السياسية الداخلية.
وفيما لا يزال قائد الجيش السابق قهوجي يلتزم الصمت حتى الان، فإن نجله جو قهوجي عكس، من خلال ما كتبه على صفحته على فايسبوك، جزءا مما يمكن ان يقوله الاخير حين يحين وقت الكلام إذ كتب جو قهوجي ما مفاده "استدعي قائد الجيش العماد جان قهوجي لحضور جلسة مجلس الوزراء في 7 آب 2014، للاستماع إلى رأيه العسكري.
سئل قهوجي: "هل بإمكان الجيش الدخول إلى عرسال وخوض معركة لتحرير العسكريين المخطوفين؟" فأجاب: "نعم، الجيش يستطيع ذلك، وأنا مستعد للمعركة ولكن حتماً في دم بدو يسقط، وهناك تكلفة بشرية، لأنو ما في معركة بلا دم".
واشترط قهوجي على مجلس الوزراء أن يأتيه قرار الحكومة ببدء المعركة خطياً، وهكذا، غادر قهوجي السراي الحكومي ومرّت الأسابيع والأشهر من دون أن يأتيه الجواب أو القرار".
لكن الإمعان في نص الطلب الذي وجّهه الوزير جريصاتي الى القاضي سمير حمود يوحي بأن "التعقّبات المطلوبة" ستقتصر على الاسماء المشبوهة في بلدة عرسال التي ارتبطت بأحداث آب 2014 أو شاركت فيها أو كانت متورّطة بها على رأسها "ابو طاقية" ورئيس البلدية السابق مصطفى الحجيري... في وقت تكفّلت فيه قوى سياسية عدّة يتزعمها نبيه بري وسعد الحريري في الدفاع عن القرار السياسي الذي أملى آنذاك عدم الدخول في معركة غير محسوبة النتائج لاسترداد العسكر وتأكيد قهوجي أنه كان مستعدا لمعركة لم يتأمّن الغطاء السياسي لها.
في سياق آخر، وبعد الاعلان عن نتائج فحوصات الـ "دي أن آي" الخاصة بالعسكريين المختطفين يتمّ التحضير حاليا لتكريم مزدوج: الأول للعسكريين الشهداء حيث سيقام لهم تكريم رسمي يشارك فيه ممثلون عن الرؤساء الثلاثة في مبنى وزارة الدفاع والتكريم الثاني للوحدات المقاتلة في معركة جرود رأس بعلبك والقاع وسيشهد أيضا حضورا رسميا على أعلى المستويات.