باقلامهم - حبيب افرام

مئة عام. سيفو والنسيان

الجمعة ١٥ أيار ٢٠١٥ - 15:15

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

مئة عام.
غبار التاريخ يضج في عقلك والشرايين
سيفو أمام عينيك لا يغيبها ضجيج احداث ولا تعاقب أجيال.

مكتوبة بالدم.
والدم حبرنا. نحن الابرياء. نحن بقايا السيوف. نحن أيتام الشرق. قرابينه.

وأخطرما في سيفو. ليس القاتل الجلاّد الذي يرفض الاعتراف
والذي يستفزك في النكران
بل ْ في سيفو جديد حيث تقتلع من الشرق من النهج والفكر نفسه وبدعم من أحفاد العثمنة نفسها.
أنا ابن سيفو ابن الجيل الثالث لجدّ هو حبيب جيء به من طور عبدين جبل النساك يتيمأ . وجدة أرمنية هي تاكوهي . جمعتهما المذبحة والحب في بيروت .
وانا ابن لبنان. مجبول به حتى قبل ما كان . إسألوا القرى والأنهر والمدن . من اعطاها أسماءها باللغة الآرامية المقدسة . أوقفوا هذا الهراء عن من استضاف من. كلنا ضيوف عند لبنان الوطن ان تكون له.
وأنا افتخر أني ابن المعاناة والتجارب المرة . مسكونٌ بهاجس الحضور المسيحي الحر المهدد بالأندثار.
وحده الأعمى لا يريد أن يرى .
لكن الحقيقة ناصعة كالشمس.
أولاً: إن ما نسميه "سيفو" حقيقة تاريخية في المكان والزمان نحن شهودها وضحاياها بأجسادنا بأهلنا برواياتنا بكتبنا بأشعارنا بفننا بأغانينا بدمعنا بلحمنا بدمنا بالأسماء بالصور بالعائلات بأطلال باقية هناك فيها عبق اجدادنا. ولا يمكن لأحد انكارها ولا محوها ولا التبرؤ منها ولا تغييبها ولا إهمالها ولا دفنها، خاصة لا نقبل ان يدعي أحد أنها لم تحصل، أو أنها خرافة. او انه تهجير احترازي او أننا أرشيف للبحث ان الذاكرة لا تهجَّر، وهذه ليست ذاكرة وهمية ولا مُبتَدَعَة. وهي ليست ذاكرة ارتدادية او ذاكرة للانتقام بل هي ذاكرة للغد.
ثانياً: إن ما حصل طال شعوباً واثنيات وطوائفَ متنوعةَ من الأرمن والسريان والكلدان والاشوريين ويونان آسيا الصغرى. صحيح أن العدد الأكبر من الضحايا كان من الأرمن الذين سموها في أدبياتهم "المجزرة او الابادة الأرمنية" وكانوا طليعة في النضال لاحيائها، لكن المسيحيين بأغلبهم كانوا ضحايا القتل والذبح والنزوح والجوع والمرض والتهجير. بقرار رسمي.
لكن الموضوع ليس عدداً أو كمّاً ولا مزايدة في أرقام. رغم ان مذكرات قدمت ومنها للبطريرك افرام الأول برصوم عام 1920 المحفوظة في ارشيف الخارجية البريطانية تؤكد ان أكثر من 250 ألفاً من أبنائنا قتلوا في 336 قرية ودمرت 160 كنيسة ودير وقتل 154 كاهن ورجل دين. قتل هؤلاء وهم عزّل غير محاربين . واخوتنا في الدم والمصير: الارمن أرقامهم مليون ونصف، ومسيحيو جبل لبنان الذين حوصروا وجوّعوا مئتي ألف. فهل يمكن أن نفكر بتسوية في قضيتنا أو بحل وسط.
ثالثاً: لسنا في مهاترات مع تركيا لا حكومة ولا شعباً ولا نظاماَ. وليس هدفنا تشويه صورتها ولا سمعتها.
لكننا نطالبها بالاعتراف الصريح الواضح الشفاف بما حصل من أجل أن ترتاح عظام أجدادنا. من أجل وقفة ضمير ونقد ذاتي. نحن لا نستثمر دم الشهداء إلا في ساحة الشرف والحرية. لا ننكأ جراحاً ولا نستجر احزاناً ولا نقبل انتقاماً ولا نحمل ضغينة ونتذكر ليس بالضرورة من أجل استعادة اراض فقط ولا من أجل تعويضات مالية بحت بل من أجل الحقيقة .
رابعاّ: ان التاريخ يكتبه الكبار. ان تركيا ستكون اكثر قوة ومناعة إذا تصرفت بهالة. ان قداسة البابا الراحل طلب الغفران عن الحملات الصليبية وما سببته من مآسٍ. وهو نفسه طلب السماح من اليهودعن أي اهمال سبب بالمحرقة وها هي ألمانيا تعترف بالمحرقة دون خجل وتعترف أخيراَ ليس فقط بالابادة بل بمسؤوليتها الجزئية عنها.ان جنوبي افريقيا انشأت لجاناً للحقيقة وللمصالحة الوطنية، والمغرب سيعوّض عمَّن تعرّض للتعذيب والاعتقال الظالم عبر هيئة. فليس من البطولة أن يقول اردوغان ان كل صراخ الضمير والعالم يدخل من اذن ويخرج من اذن.
ان اردوغان نفسه اعتبر مقتل 200 ايغوري من اصل تركي عام 2009 ابادة. فماذا عن مئات الالوف؟ فهل اردوغان نصف انسان؟ يفكر فقط بنصف البشر؟ يتعاطف فقط مع من يريد؟ ان سياسة صفر مشاكل صارت مشاكل مع الكل. فالعقل الطوراني يريد الغاء كل آخر، من الديني الارمن والسريان، الى المذهبي العلوي الى العرقي الكردي.
خامساَ: نصرخ لوجعنا بصوت أقوى لكننا بكل تأكيد ضد القتل بالمطلق، ضد الحرب، ضد الارهاب، ضد العنف. لا نقبل ان نستعمل الاحداث الأليمة لزرع الحقد او الكراهية، بلْ لتحصين مجتمعاتنا وشرقنا. وما رفضناه لأهلنا نرفضه لاي شعب وندينه في اي بقعة من العالم.
سادساَ: ان العيش المشترك في صميم رسالتنا وفكرنا، لقد عشنا هنا منذ فجر البشرية، ومنذ بدء نور المسيحية، ثم مع المسلمين نتشارك الهواجس والهموم والايام. صحيح ان في هذا التاريخ محطات مخيفة وقاسية لكنه يسطع ايضاً بالفرح والعطاء. نحن ضدّ صدام الحضارات نحن لسنا فقط مع حوارها بل في قلب عيشها معاً. نحن لا نقبل الهجوم على اي دين. نحترم ونقدر ونجلّ الاسلام . لكن أليس من الغريب ألا تعترف ولا دولة عربية أو اسلامية ما عدا لبنان بقضيتنا ؟ وان اسرائيل التي ارتكبت ابادة جماعية موصوفة ترفض الاعتراف. وحده صوت الفاتيكان والبابا جاء مدوياّ.
ونحن نرفض ضرب هذا العيش المشترك في سيفو جديد في هذا الجنون. هذا التكفير والالغاء. يعدمون أبناء العشائر السنية، يفجرون الحسينيات، يبيدون اليزيديين، يهاجمون الاكراد، يقتلعوننا نحن المسيحيين من سهل نينوى، من الموصل، من البصرة، من الحسكة، من الرقة، يذبحون المطران فرج رحو، يخطفون المطرانين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي دون أثر أو خبر يسبون النساء، ومازال 300 آشوري مخطوفاً في الخابور ولا حل ولا من يسأل، يلقون بالمسيحيين من قوارب النجاة، يذبحون القبطي والاثيوبي في ليبيا، يقتلون على الهوية في مدارس نيجيريا وكينيا، يَربضون على تلال لبنان يخطفون جنوده ينتظرون غفلة من جيش بطل صامد وشعب مقاوم، كل هذا بدعم وتسهيل من ورثة السلاطين!. أليس من الغرابة ان تكون تركيا واحة كل ارهابي؟ أليس من العار فوق كل هذا ان يقول لبناني ان الدولة العثمانية تمثلني. وأن تُرفع راية تركيا تحدياّ.

سابعاَ: لا يمكن للعالم أن يغمض عينيه ويدَّعي انه لا يعرف ولا يسمع ولا يرى. لا يمكن أن تكون الحروب مسلسلاً تلفزيونياً ولا الضحايا أرقاماً ولا يرف له جفن. لا يمكن أنْ يكون الانسان لامبالياً تجاه أي ضحية في اي زمن في اي قارة لاي سبب. مَن يسكت يكون مشاركاً. الضمير العالمي يجب ان يبقى ساهراً متيقظاً لحقوق كل انسان. الحق ليس للقوة بالضرورة فالى متى يصم العالم اذنيه عن صراخ البراءة ويتبع مصالحه؟ ومتى الاخلاق فوق السياسة . فقط 20 دولة اعترفت. هل هو انحلال للانسانية. وأود أن أوجه نداء الى وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل هل يمكن للدولة اللبنانية ان تتبنى رسمياً ملف استعادة أملاك فقدها مواطنوها منذ مئة عام في تركيا؟
كل من سكت عن سيفو، يسكت اليوم عن ابادة واستئصال المسيحيين في الشرق. ويراقص الارهاب في العراق وسوريا.
ثامناً: ان شعبنا رفض ان يموت. ويبرهن كل يوم انه جدير بالحياة ينظر الى التاريخ بعين التحدي. صحيح ان الغربة تكاد تقتلعه من الارض المشرقية، وهو اصبح حارس حجارة في طور عابدين، لكن نهضة حقيقية في احزابنا وتياراتنا ووسائل اعلامنا ومؤسساتنا وعودتنا الى
الجذور واللغة والانتماء والافادة من التكنولوجيا والمواصلات تجعلنا شعباً واحداً نابضاً بحس الهوية مصراً على حقه في حمل رسالة التمايز والفرادة في عالم واحد يكاد يمحو كل ثقافة. سنبقى لوناً محبباً في عالم عنوانه التنوع.
و نحن في لبنان، جبلنا كسريان قدراً وخياراً نؤمن أنه الواحة والمثال رغم كل عثراتنا كلبنانيين. أنه الدور والرسالة لا الحصن ولا الملجأ فقط. عرفنا كمسيحيين جحيمنا أيضاً. قاومنا بروعة لكننا اقتتلنا وكنا ساحة، مررنا بكوابيسنا ومجازرنا أمام عيون العالم، تذابحنا وتصالحنا، نحن ندرك ربما أكثر من غيرنا ان لا حلول إلا بالحواروالتفهم والتفاهم
والمصالحة والتعالي على الجراح. لكن لا يحاول أحد أن يلغينا بالسياسة بنكران حقوقنا، بالتذاكي علينا، بسرقة تمثيلنا، لا في الرئاسة ولا في الوزارة ولا في النيابة ولا في الادارة.

ولّى زمن استغيابنا. نحن جبالٌ. نموت لا نركع.
صحيح ان كل ما نفعله غير كاف ٍ،
لا البيانات لا النصب التذكارية لا المهرجانات لا الصراخ . نردد مع نزار" لقد كفرنا ليس لدينا كلام جميل ليس لدينا شفاه ولا مفردات"
لكن نحن نؤمن أن الفصح قائم فينا. ان الله يعترف بنا.
وها نحن في ٦ أيار نتذكر معاَ. تياراَ وطاشناقاً ورابطة وحلفاء واصدقاء . نتذكّر شهداء كل لبنان.
نحن هنا نصرخ حتى لا تتكرر أي مجزرة.
حتى نتصالح كلّنا، بشرية تسعى الى الكمال،
وحتى نناضل لشرق جديد وفجر جديد.
كلنا هنا لسنا من سلالة الخنوع
ولاننا القضية لن نخلع جلدنا والهوية.
 

  • شارك الخبر