مقالات مختارة - فراس أبو مصلح

المصارف العربية: أهلاً بالاستباحة الأميركية!

الأربعاء ١٥ تشرين الأول ٢٠١٤ - 06:33

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

الاخبار

«أصبحت النظم المصرفية إحدى أهم ساحات الحرب على غسل الأموال وتمويل الإرهاب (وفق التعريف الأميركي)»، فـ«كان لا بد من تضافر الجهود العالمية لمكافحتها» عبر تطبيق «توصيات» مجموعة العمل المالي FATF، التي تشكل «خطة عمل شاملة» تُفرض على الدول، «وإلا وُضعت على لائحة الدول غير المتعاونة»(!)، قال الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح في «الملتقى السنوي لرؤساء وحدات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في المصارف والمؤسسات المالية العربية» الذي نظمه يوم أمس اتحاد المصارف العربية و«هيئة التحقيق الخاصة» في مصرف لبنان.

أبرز الملتقى تناقضاً صارخاً بين حديث بعض الشخصيات الرسمية عن آلية قانونية تضبط عمليات التحقق المالي ورفع السرية المصرفية، وبين «صراحة» العديد من المسؤولين المصرفيين بتأكيدهم «الالتزام الأعلى» بتزويد المصارف الأميركية، ومن ورائها الاستخبارات المالية الأميركية، بالمعلومات الشخصية التفصيلية والشاملة حول أي من زبائنها عند الطلب وبمجرد «الشبهة» ولو بـ«النية»، كما أشار القاضي صبوح سليمان!
«لا قروض إلا بعد التأكد من تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب»، قال فتوح مخاطباً رؤساء «وحدات الامتثال» للقوانين الأميركية في اتحاد المصارف العربية، شارحاً أن للخزانة الأميركية سيطرة كبيرة على القطاع المالي العالمي، فالدولار هو عملة التبادل لمعظم التجارة العالمية، وبالتالي تطلع المصارف الاميركية على معظم التحويلات المالية في العالم.

لا أستطيع التذرع بالسرية المصرفية... ابتعدوا عنها قدر الإمكان وذهب أمين سر هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان عبد الحفيظ منصور أبعد من ذلك، فرأى أن إجراءات «اِعرف عميلك»، أي تلك التي تجمع المصارف بموجبها معلومات مهنية وعائلية وشخصية تفصيلية عن زبائنها وتنشط باستمرار للتحقق منها وتحديثها، هي «اللب والمحور» لسياسة «مكافحة الإرهاب» الأميركية، وأنّ من «الضروري» أن يعرف المصرف عن زبونه «ماذا تفعل زوجته وأين تتسوق وأين يدرس أولاده»! يقع مبدأ «الشمول المالي» في «صلب» السياسة تلك، وهو يعني إدخال أكبر عدد ممكن من المواطنين في النظام المصرفي المحلي والدولي، وذلك لتتبع عمليات الأفراد المالية، ورصد مصادر الأموال ووجهة إنفاقها؛ وإذا ما قام «العميل» بسلوك مالي خارج السياق المألوف، على المصرف أن يستدعيه ليساءله ويطلب منه إبراز المستندات التي تبرر سلوكه المالي، قال منصور، محذراً من التخلي عن فئات كاملة من الزبائن، كالصيارفة وتجار السيارات، لتجنب مخاطر التعرض للعقاب الأميركي، وقال إن الأمر يأتي بنتيجة معكوسة، إذ يعمد هؤلاء إلى قنوات «الظل» للتمويل، «فيخرجون عن النظر»، داعياً إلى تكريس «حق» الأفراد بفتح حساب مصرفي!
تبادل المعلومات بين المصارف العربية والأميركية ينبغي أن يكون «ثقافة»، وليس ناتجاً من الخوف من «العصا» الأميركية، يضيف منصور، معلناً إنشاء مجموعة تنفيذية من مسؤولي الالتزام في مصارف الاتحاد، مهمتها التواصل مع «الجهات» الأميركية والمجموعات الأجنبية المماثلة. يرى حمزة كذلك أن القوانين الحالية التي تحكم عمل الجمعيات والأحزاب، والتي تفرض على الأخيرة تقديم تقارير مالية مفصلة لوزارة الداخلية، «لا تكفي»، إذ قد تمول جمعيات أو أحزاب نفسها من أعمال مشروعة، ما يشكل «مصيبة»(!) ينبغي الاستعانة على حلها بـ«تعاون دولي استخباراتي، وإرادة تصدي لتمويل الإرهاب»!
«التزامي المحافظة على العلاقة (مع المصارف الأجنبية المراسلة) هو الالتزام الأعلى؛ فأتحمل أسئلتها المنطقية وغير المنطقية»، قال شهدان جبيلي، مسؤول الشؤون القانونية والتحقق في مجموعة بنك عودة، داعياً «للنظر إلى العقوبات الأميركية بهذا المنظار فقط»، تحت شعار «الواقعية»!
باتت مسألة «اِعرف عميلك» أكثر تطلباً اليوم، و«يجب أن يستمر النظام المصرفي اللبناني كجزء من النظام المصرفي العالمي»، قال جبيلي، معتبراً الامتثال «لما يتطلبه العالم» من المصارف المحلية «مسألة وجود»، ذلك أن «لا براءات ذمة» تعطيها الجهات الرقابية الأميركية (OFAC وFinCEN)، بل إن «الامتحان شبه يومي»، ويمكن الأخيرة أن «تؤشر» على أي من المصارف العربية وتمنع ولوجها إلى النظام المصرفي العالمي، «ما يعني واقعياً الوفاة»، يحذر جبيلي! «لا أستطيع التذرع بالسرية المصرفية... ابتعدوا عنها قدر الإمكان عند التعامل مع المصارف الأجنبية، رغم وجودها في النص»، قال جبيلي، معتبراً أن وظيفته طمأنة «الشريك» الأجنبي والتزام قواعده، وضمنها المشاركة بالحصار المالي لسورية وإيران. «ترك (الأميركي) لنفسه حق الاستنساب المطلق (في القوانين المالية)، والمساعدة (للدولتين المذكورتين) مجرّمة، حتى لو حصلت بالليرة، ودون المساس بأي شخص أميركي»!
 

  • شارك الخبر