مقالات مختارة - سمير عطاالله

من يَشتري بالحديد يُباع بالقضامي

الأربعاء ١٥ تشرين الأول ٢٠١٤ - 06:26

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

النهار

يسمي هنري كيسينجر ذلك "دورة الأخبار" أو دوّامتها. والأصحّ إعصارها. أسبوع وأنت في كل حواسك تخشى سقوط حلب ثم تفيق في اليوم التالي فإذا التي سقطت هي صنعاء. ولكن، مَن يهمّه أمر صنعاء، ومَن يعرف على وجه الضبط أين تقع، ومَن يعرف إذا كان الحوثيون شيعة أم سنَّة، زُيوداً أم شواقع؟
لا يهم. سوف تَعرف. ينبغي عليك أن تعرف. هذه البقعة من الأرض التي لم تستطع أن تتوحّد في ألف عام، تتشقّق الآن في ألف يوم. تتّحد في التفكك. ولم يعد شيء بعيداً في هذه البقع والبقاع. "داعش" في بريتال و"المنار" تنقل مؤتمر عبدالملك الحوثي بالبث المباشر. ولا رئيس في بعبدا، ولا حكومة في صنعاء، ولا مجلس شعب في مصر، ولا جيش في ليبيا، ولا اطمئنان في أي مكان.
دوامة الأخبار محصورة في هذه البقاع، وليست "أوكرانيا" سوى حفلة جانبية على الهامش side-show لا يتذكرها أحد. ليس الآن. فالآن، روسيا غائبة عن السمع، لم تتبلّغ بعد أن الطائرات الأميركية حلّقت فوق سيادة سوريا والعراق مئات المرات، فيما تمضي "داعش" في توسيع دولة الخلافة صعوداً نحو جبال الأكراد التي كانت تُسمى في الماضي شمال العراق، وفيما تتنزّه "جبهة النصرة" في الجولان.
يقول كيسينجر، وهو يُنهي عامه الحادي والتسعين بكتاب آخر "النظام العالمي"، ان دوّامة الأخبار المتسارعة لا تترك للسياسيين اليوم فرصة التأمّل والتعمّق. ولا للصحافيين والكتّاب. قرأت في الأسابيع الاخيرة أكثر من 20 توقُّعاً متناقضاً لمجرى الأحداث، غالباً في صحيفة واحدة. لم يصحّ أي منها. التوقُّعات عن الرئاسة أشعرتنا بالانقباض. لاحَقَت الصحافة السياسيين، والسياسيون لاحقوا الدوّامة، والدوّامة دارت في مكانها.
تهترئ أعصاب الناس ويشعرون بذلٍّ عميق، كأنما الخوف لا يكفي، ولا القلق، ولا الإرهاب.
أخجل بالقول إنني أكتب من جنيف، ضرّتها بيروت ذات زمن، وتوأم باريس في الشرق. ليس هناك من زعماء هنا، ولكن هناك حياة سياسية شبه كاملة. نحن عندنا أحزاب كثيرة ولا شبَه لحياة سياسية. لدينا دستور لا يُحكم به ولا يُحتكم إليه. لدينا سياسيون بوَفرة ورجال الدولة كم هُم قلائل. لاهون والدنيا من حولنا تنزاح، والخرائط تهترئ، والمجهول ينعق كالغراب على الأعتاب والأبواب والحدود.
هذه الحالات القصوى في حاجة إلى رجال رؤية. رجل الدولة يفكّر لقرن ويخطّط لنصف قرن. وكلاهما عهده ويومه. رجل السياسة لا يرى سوى لحظته وأنَاه.
نحن نحترق. كل شيء نُحرقه. الكلام عن المستقبل صار إهانة. والدعوة إلى المصالحة صارت "أبو ملحم". والتفكير في الفقراء والبسطاء والعاديين صار سخافة. أرجو ألا يخطر لجنابك أنني سوف أقارن مع سويسرا لمجرد أنني أرى كيف يعيش البشر، وأنهم يختلفون على اقتلاع شجرة أو ارتفاع مبنى. صحيح أنني لم أزل ساذجاً، لكنني تخطَّيت المراهقة الفكرية. وصرت أعرف أنه عندما كان يُقال إن "لبنان هو سويسرا الشرق"، أنه يحمل لعنة الشرق إلى الأبد. وأنه مجرد جزء عالي الجبال كثير الأنهار، من "المسألة الشرقية". سوف ينتهي الشرق، أما "المسألة الشرقية" فانظر إلى كوباني. انظر إلى حلب. انظر إلى الموصل وجوار بغداد. وإلى سائر المشرق.
العالم الحاضر خال من السياسيين الأُلى. لا غلادستون أو دزرائيللي كما في القرن التاسع عشر، ولا دين أتشيسون أو جورج مارشال، كما في القرن العشرين، يقول كيسينجر. تعلّم لبنان من فرنسا الانتدابية، لأن يكون وزير الخارجية واجهة الدولة، مثلما رئيس الوزراء واجهة الحكومة. فالأول يمثّل الثوابت، والثاني يُدير التحولات ويُسايس المصاعب.
يروي المؤرّخ الفرنسي جان لاكوتور أنه كان في حفل استقبال عندما وصل موريس كوف دو مورفيل، وقال له: "لن تصدّق هذا يا لاكوتور. لقد عُيِّنت منذ ساعة وزيراً للخارجية". أحد أقرب رجال ديغول ونبلاء فرنسا، لا يصدق أنه مُنح الكي دورسيه، كرسي الكاردينال دو ريشوليو ومهمات تاليران وألفونس دو لا مارتين (ذاته) وريمون بوانكاريه وسواهم.
يعبِّر كيسينجر عن ندَمه لقوله مرة: "يجب أن نطرد الاتحاد السوفياتي من الشرق الأوسط". يقول ان الفكرة، أو النيّة، لم تكن خطأ على الإطلاق، الخطأ كان في الإباحة بها وفي طريقة التعبير. إذا كان ثُلثا السياسة تغافُلا وثُلثها فِطنة كما قال معاوية، فإن ثُلثي الديبلوماسية صياغة. لا ماذا تقول، بل كيف تقوله. لذلك، لكل مؤتمر لجنة صياغة، ولذلك سُمّيت صناعة الذهب صياغة. نال إدوارد سعيد تقديراً لا بدّ أنه يستحقه لكتابه "الاستشراق"، لكن البروفسور المأخوذ بحميّة القضية الفلسطينية وظلاماتها، أهمل إيجابيات البحوث الاستشراقية. وها نحن نتذكر اليوم – إذا كنا قد نسينا – كتابات جاك بيرك عن تحريم الانتحار في الإسلام والنزعة الانتحارية عند المسلمين. أمَّة تطلب الحياة بالانتحار، والجنّة بالقتل.
هل هناك تسمية أخرى لما يحدث اليوم، من حدود تركيا الشمالية إلى حدود لبنان الشرقية؟ لم تُوقظ الأحداث الفتنة، فهي تظاهرت بالنوم. لكنها أيقظت المسألة الشرقية حفرة حفرة وكهفاً كهفاً. وكان الأستاذ فاروق الشرع يشير إلينا بشيء من الامتعاض ويقول "يجب حل المسألة اللبنانية أولاً". أنت سيّد العارفين، ردّ الله غُربتك. تعقيدات "المسألة اللبنانية" لا تُقاس بالمسألة السورية والمسألة العراقية ولا خصوصاً بالمسألة التركية. "كلنا في الهمّ شرق"، على ما قال أميرنا شوقي. الصناعات الأخرى يمكن أن تسمّيها أي شيء. حدادة، بويا.
يقول كيسينجر ان أول ما خطَر له عندما سمع بنبأ مهاجمة برج التجارة أن الذين دبّروا الهجوم هم منظمات المخدّرات في أميركا الجنوبية: "لكن عندما عرفت بالطابع الانتحاري للهجوم، أدركت أنهم من الشرق الأوسط". طالما اتهمنا المستشرقين بالعمالة لأنهم حاولوا إطلاعنا على حقائقنا وكشف طباعنا.
فجّرت سوريا "المسألة الشرقية" في منطقة مرَّت بها إمبراطوريات الزمان. أرض شاسعة من اليابسة والبحار والأنهار، وحَّدت الله وفرّقت الناس إلى أديان ومذاهب ومِلل ونِحل وأعراق وأنساب وأفخاذ ولهجات وجيم تميم وجيم مصر.
كان عبدالله القصيمي صاحب عناوين كثيرة تُستعار دائماً في وصف الأهوال والأحوال، منها "العرب ظاهرة صوتية" و"العالم ليس عقلاً" ومنها أيضا قوله: "كان وضع العرب عجيباً محرجاً. فهم لا يقدرون على الانفصال عن الماضي أو التنكّر له، ولا يقدرون كذلك، على أن ينفصلوا عن الحياة. والحياة والماضي لا يجتمعان في الزمن، فظلّوا معلّقين في الجسر المعلّق بينهما".
الأمة معلّقة اليوم. عواصم فقَدت حكوماتها، وأوطان فقَدت دولها، ومجتمعات فقَدت حياتها المدنية وقوانينها. إيران في باب المندب من طريق صنعاء، وتشيِّع واحداً من كبار ضباطها في دمشق. والتحالف الدولي يقصف جواً في سوريا والعراق، فيما تلتقط الدبابات التركية خلف الحدود، الأنفاس والصوَر التذكارية.
قال الرئيس حسني مبارك ثم صمَت، ثم قال الملك عبدالله الثاني ثم صمَت، ان طهران تريد إقامة قوسٍ يصل إلى العراق. لا. إنهم في الحديدة في الطريق إلى باب المندب. وكان الرئيس اليمني عبد ربه قد قال للزميل غسان شربل قبل عام: "إذا وصل الإيرانيون إلى باب المندب لن يعودوا في حاجة إلى القنبلة النووية".
في كتابه "برقيات" يروي مايكل هار، أشهر مراسلي حرب فيتنام، انه كانت على جدار غرفة النوم في شقته في سايغون، خريطة قديمة تركها المستأجِر الذي قبله. كانت الخريطة تمثّل الأرض نفسها، أي "الهند الصينية" سابقاً كما سمّاها الفرنسيون. لكن معظم الأسماء تغيّرت وبُدّلت. ثمة من عبَث بالحدود وبالداخل أيضاً. والخريطة على جدران غرفة النوم ضرَبها الاهتراء وغيّرت هويّاتها وسكّانها الحروب والهزائم. الكاتب عبدالرحمن الراشد يقول: وداعاً لليمن الموحّد، أو الواحد. لقد مهّد لتفكّكه الفريق علي عبدالله صالح الذي، مثل سائر الرؤساء العرب، أقام يمناً حول نفسه. اشترى الولاءات القبَلية بالحديد وباعه بالقضامي.
 

  • شارك الخبر