مقالات مختارة - سركيس نعوم

أين الخارج من الاستحقاقين الحكومي والرئاسي؟

الأربعاء ١٥ شباط ٢٠١٤ - 06:51

  • Aa
  • ع
  • ع
  • ع

النهار

في الثامن والعشرين من شباط 2005 قدَّم الرئيس عمر كرامي استقالة حكومته مفاجئاً بذلك حلفائه وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري وأخصامه.
وفي الرابع عشر من نيسان 2005 أيضاً أجرى رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الاستشارات النيابية المُلزِمة لتكليف شخصية مسلمة سنّية تأليف حكومة جديدة تكون مهمتها اجراء الانتخابات النيابية بعد اقتراب المجلس من نهاية ولايته. قبل ظهر اليوم الأول للاستشارات كان الجو، على الأقل عند الفريق الذي سُمّي لاحقاً "8 آذار"، يميل الى ترشيح النائب عبد الرحيم مراد رئيساً مكلَّفاً. وعند انتصاف النهار تغيّرت المواقف وبدأ النواب يرشحون النائب نجيب ميقاتي لهذه المهمة. ماذا حصل؟ وكيف تم ذلك؟ ومن هي الجهات التي بدَّلت المعطيات؟
تفيد المعلومات المتوافرة عند جهة سياسية لبنانية عليمة أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وكان يومها على اهتمام مباشر بلبنان مع حليفه رئيس أميركا جورج بوش الابن، اتصل هاتفياً في نهاية قبل ظهر اليوم الأول من الاستشارات بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وتمنّى عليه مخابرة العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والطلب اليه الموافقة على ترشيح ميقاتي لرئاسة حكومة الانتخابات في لبنان أو بالأحرى اقناع الفريق اللبناني الذي يؤيده بذلك. لم يكن الملك ساعتها على السمع. لكن بعد نحو ساعة أو أكثر بقليل تلقى بوتفليقة اتصالاً من أحد أبناء الملك فتباحثا في الأمر. وبعد نحو عشر دقائق تلقى الرئيس الجزائري موافقة المملكة، فاتصل بالرئيس الفرنسي مبلغاً اليه ذلك. بادره الاخير بالقول أن مهمة أخرى تنتظره هي الاتصال بالرئيس السوري بشار الأسد واقناعه بالتخلي عن مراد وباقناع حلفائه اللبنانيين بترشيح ميقاتي. ثمّ الاتصال هاتفياً بالطبع. ووافق الأسد بعدما اطلع من نظيره الجزائري على التفاصيل كلها. لكن الحصول على موافقته استغرق 45 دقيقة من المناقشات. التزم الزعيمان السعودي والسوري الموافقة، الأمر الذي انعكس ترشيح غالبية النواب زميلهم ميقاتي لرئاسة أول حكومة في حياته السياسية، مهمتها الوحيدة اجراء الانتخابات النيابية شرط عدم ترشُّحه فيها. طبعاً لم يكن ميقاتي يعلم شيئاً عن ذلك. لكن لقاء بينه وبين بوتفليقة، تمّ في مرحلة لاحقة على هامش احد المؤتمرات أو الاجتماعات الاقليمية أو الدولية، أفسح أمامه في مجال سماع هذه المعلومات مباشرة من صانعها.
لماذا كشفُ هذه المعلومات اليوم؟
لسبب بسيط هو أن الحصول عليها لم يتم الاّ قبل مدة قصيرة. ولسبب آخر هو لفت اللبنانيين مواطنين وقادة أحزاب وتيارات وحركات وسياسيين الى أن تكليف الرئيس تمام سلام تأليف الحكومة قبل نحو 11 شهراً لم تكن وراءه غالبية النواب فقط. اذ ساهمت فيه جهات اقليمية وربما دولية وان كان "بينها ما صنع الحدّاد" كما يقال. ولسبب ثالث هو أن تأليف الحكومة أخيراً لم "يُنجز"، بعدما كاد ييأس اللبنانيون من ذلك الا بعدما قرَّر المتورطون في صراع لبنان الذي هو جزء من حرب سوريا والصراع في المنطقة على ذلك. ولسبب رابع هو أن نجاح الحكومة الجديدة في الاتفاق على بيان وزاري على رغم الخلافات غير القابلة للتسوية بين فريقيها وتالياً في الحصول على ثقة مجلس النواب تلزمه موافقة اقليمية مماثلة مع رعاية دولية. ولسبب خامس هو أن نجاح مجلس النواب والحكومة في اجتياز استحقاق الانتخابات الرئاسية بنجاح أي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل 25 أيار المقبل موعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان لن يتحقَّق اذا لم تسبقه أو تواكبه موافقة اقليمية – دولية. علماً أن الموافقة لا تعني تفاهم أصحابها أو انتقالهم من العداء الى التطبيع أو حتى الى التحالف.
ألا يسيء هذا الكلام الى اللبنانيين اذ يجعلهم يشعرون أن مصيرهم لم يعد في يدهم وأن الخارج المتنوّع هو الذي يقرر عنهم؟
لا شك أنه يسيء اليهم. ويجب أن يثير استياءهم على رغم أن أحداً ليس متأكداً من ذلك، لكنّه الحقيقة التي تعرفها كل الطبقات السياسية التي شاركت وتتشارك الحكم في لبنان ولكن تتجاهلها عمداً كي يبقى الناس متعلقين بها. انطلاقاً من ذلك لا بد من القول أن الاستحقاق الرئاسي، وكان يحسمه دائماً موقف اقليمي – دولي، سيحسمه قرار مماثل سلباً أو ايجاباً. لكن أصحابه سيتغير واحد منهم اذ ستحل ايران الاسلامية مكان سوريا الأسد الى جانب السعودية وأميركا. علماً أن ذلك قد لا يقضي ربما على "الفيتو" الأسدي.

  • شارك الخبر